هل أسعار النفط في صعود أم نزول؟

الآراء السائدة حالياً متضاربة ومتناقضة ولكن كل منها مُدَعَّمٌ بتحليلات وأدلة جيدة مما يزيد شعور الارتباك والإحباط لدى الجمهور القلق على مستقبله الاقتصادي.

من يحدد أسعار النفط؟

تحدد أسعار النفط في بورصات السلع من خلال عمليات العرض والطلب على العقود النفط الفورية والمستقبلية. ولكن يشكل المضاربون والمتداولون أهم عنصر في هذه العمليات.

ويعمل المضاربون والمتداولون على المدى القصير بشراء أو بيع عقود النفط بهدف تحقيق ربح والتخارج منها بسرعة. فهم لا يتعاملون للمدى الطويل وعادة ليس لهم علاقة مباشرة بالسلعة التي يتداولون بها. ويتركز اسلوبهم في مراقبة السوق، وتحليل اتجاهاته ومؤشراته، اتخاذ قرارات البيع أو الشراء، وثم التخارج السريع بعد تحقيق ربح أو خسارة صغيرة، وثم العودة في اليوم التالي لنفس العمل.

وبسبب تركيزهم على المدى القصير، فإن قرارات المضاربين والمتداولين تتأثر بالأخبار اليومية المنشورة في وسائل الاعلام مما يعرضهم للوقوع في فخ الأخبار المروجة والمدسوسة من أصحاب المصالح السياسية أو الاقتصادية. ولا شك أنهم يتابعون كذلك المعلومات الأساسية المالية والاقتصادية ولكن تصنف أهميتها كدرجة ثانية.

الآراء الرئيسية السائدة

صعود أسعار النفط: يطرح مؤيدو هذا الاحتمال الآراء التالية:

– فقد أفزعت العقوبات الأمريكية على إيران السوق لدرجة الهلع. فصعدت الأسعار بحدة بين يونيو وأكتوبر 2018 مفترضة أن الإنتاج العالمي للنفط لن يعوض النقص الإيراني المتوقع أن يصل إلى مليون برميل في اليوم أو أكثر.

– تسارع العالم في تنفيذ العقوبات الأمريكية والتوقف عن شراء النفط الإيراني.

– استمرار اضمحلال انتاج النفط الفنزويلي مما يفاقم النقص الإيراني المتوقع.

– زيادة قلق وكالة الطاقة العالمية من حدوث تعثرات أو توقفات طارئة في انتاج النفط العالمي بدون توفر مخزونٍ كافٍ أو طاقة إنتاجية احتياطية إضافية. لذلك تطالب أوبك بزيادة طاقتها الاحتياطية.

– بالرغم من موافقة أوبك الظاهرية على طلب أمريكا لزيادة الإنتاج، إلا أن البعض يعتقد أن الأمر قد يتغير بعد الانتخابات الفصلية الأمريكية – حسبما تظهر نتائج الانتخابات؟

– ربما أوبك أصلاً تستهدف مستوى 80 دولار وتُعَيِّرُ انتاجها على هذا الأساس.

– ظهور أخبار أن أوبك تخطط لتقليص انتاجها في 2019 خصوصاً في حال عودة ظهور فائض العرض على الطلب.

هبوط أسعار النفط: نلخصها فيما يلي:

– بعد وصول الأسعار إلى قمتها في 3 أكتوبر، اقتنع المتداولون بأنه يمكن تعويض النقص الإيراني، وبالتالي تم خصمه عند تحديد الأسعار. فقد صعدت الأسعار عند اعلان العقوبات الأمريكية ثم انحسرت، وانعكس ذلك في تقلص الفوارق السعرية بين المدد الشهرية لعقود نفطي برنت وتكساس.

– تغير وتراجع التوقعات المتفائلة للنمو الاقتصادي العالمي مما بدوره قلص توقعات نمو الطلب على النفط.

– صعود سعر صرف الدولار أثر سلباً على الاقتصادات النامية وزاد كلفة شراء النفط كما زاد من حجم هروب رؤوس الأموال للخارج مما بطأ نموها الاقتصادي ومعه نمو طلبها للنفط.

– اتفاق أوبك وروسيا في يونيو الماضي على زيادة انتاجهما بمقدار مليون برميل في اليوم – بالرغم من عدم تطبيقه كلياً لحد الآن.

– التقارير التي تشير إلى نمو انتاج النفط العالمي بمقدار 2.9 مليون برميل في اليوم خلال 2018 ، ومعظمها من خارج أوبك وأمريكا.

– لا شك أن نمو مخزون النفط الأمريكي لخمسة أسابيع متتالية أثر سلباً على الأسعار، خصوصاً إذا استمر وتوسع ليشمل دول منظمة التعاون الاقتصادي OECD. وتشير بعض التقارير إلى أن المخزون الأمريكي قد زاد حوالي 30 مليون برميل خلال الشهر الماضي فقط. مع ذلك، يبقى هذا رقم محاسبي تقديري لا يمكن التأكد من صحته أو الهدف من الإعلان عنه الآن.

– احتمال منح أمريكا استثناءات من عقوباتها على إيران لبعض الدول مثل الهند والصين وغيرها، مما سيقلص حجم التراجع الكلي في عرض النفط.

– ربما أدت سرعة وحدة صعود أسعار النفط بين يونيو واكتوبر 2018 إلى ردة فعل تصحيحية نزولية مع تزايد المخاوف من عودة فائض العرض.

– لا شك أن تصريح وزير النفط السعودي بتوفر لديهم القدرة الاحتياطية لتعويض تقلص الإنتاج الإيراني قد طمأن السوق وأضعف حركة صعود الأسعار. ولكن تصريحه المكمل بأن ليس لديهم القدرة على تعويض أي تقلص إنتاج في دول أخرى لم يحظى باهتمام أو تغطية إعلامية كبيرة.

– اعلان ليبيا نيتها زيادة انتاجها إلى 1.6 مليون برميل في اليوم مع نهاية 2019.

– تشير منحنيات العائد الشهرية Yield Curves لعقود نفط برنت المستقبلية بأن السعر الحالي مضخم.

– حسب وزير النفط السعودي، فإن هناك فجوة زمنية بين زيادة نمو انتاج النفط وتغير أسعاره. وقد قدر مدة هذه الفجوة بعدة أرابع سنوية (من 6 إلى 12 شهر؟) وحيث أن انتاج النفط كان في نمو طوال 2018 ، فمن المتوقع أن ترتد أسعاره لأسفل في 2019.

– هناك عادة تضاد في الأداء بين بورصات الأسهم وسوق النفط. ولكن هذه المرة نجدهما متفقاً ومتماشياً معاً في نفس الاتجاه، وهذا مقلق لأنه إذا هبط أسواق الأسهم كذلك ستهبط أسعار النفط.

– يبدو أن صناديق الاستثمار والتحوط وكذلك المضاربين قد بدأوا بالتحول من الشراء إلى البيع على المكشوف Short . كما أن كثير منهم قد سيل وباع عقود النفط عند القمة لسداد قروض سوق الأسهم Margin Calls .

التحليل الفني

التحليل الفني، كبقية أدوات التخطيط والتقدير، مبني على الأرقام التاريخية ويفترض بأن أي اتجاه مستمر إلى أن تحدث تغيرات في المؤشرات الفنية. وقد أوضح أحد التحاليل الفنية التوقعات التالي:

المدى الطويل: ما زالت الرسومات الفنية الشهرية لنفط تكساس تشير إلى أن الاتجاه السائد هو صعودي. ولكن قوة الدفع بدأت تضمحل مما يشير إلى احتمال استمرار التصحيح النزولي لعدة أشهر. أما إذا هبط السعر واخترق حواجز الدعم عند 63.57 و 61.62 و 56.40 دولار فقد تهبط الأسعار حينئذٍ نحو 54.90 دولار (وفي أسوأ الأحوال نظرياً إلى 41.34 دولار). ولكن إذا استمر الاتجاه الصاعد الحالي فقد يستهدف مستوى 82.02 وثم 92.35 دولار.

المدى المتوسط: كذلك تشير الرسومات الفنية الأسبوعية لنفط تكساس بأن الاتجاه العام صعودي. ولكن إذ تم اختراق مستوى 63.57 و 61.62 دولار نزولاً فقد يتغير الاتجاه العام إلى هبوط، وعندئذٍ قد يهبط نحو مستوى 59.10 أو 54.90 دولار.

المدى القصير: أما الرسومات اليومية لنفط تكساس، فتشير إلى أن الاتجاه العام نزولي خصوصاً بعد اختراق في أكتوبر مستوى الدعم عند 67.66 وثم 66.58 دولار. وللعودة للاتجاه الصاعد، يجب اختراق صعوداً مستوى المقاومة عند 70.21 دولار.

الاستنتاج

كان سوق النفط يسير بهدوء وانتظام خلال 2018 وكان آخذ بتقريب العرض والطلب بسلام وبرضا جميع الأطراف من منتجين ومستهلكين. ثم طرأت عوامل جديدة في الميدان فتبعثر الانتظام وتلاشى الهدوء.

وكانت هذه العوامل الجديدة سياسية الطابع فقلبت معادلات توازن السوق. وقد بدأت منذ فترة بتعثير انتاج فنزويلا النفطي وثم تدرجت نحو العقوبات على النفط الإيراني. وإذا أضفنا إلى ذلك الحرب التجارية الدائرة بين الصين وأمريكا، والتصعيد السياسي والعسكري في بحر الصين وسوريا واليمن وأوكرانيا وروسيا وغيرها، فسنجد أن الوضع العالمي قد أصبح متوتراً وغير مستقراً. وعدم الاستقرار يؤدي إلى ارتباكات وهلع اللذان بدورهما يؤديان إلى زيادة الأخطاء في توزيع الموارد، والهدر، ورفع التكاليف في الاقتصادات. كما أنها قد تؤدي إلى حروب التي تكون نتائجها السلبية مشابهة ولكن بشكل مضخم. ومن يستفيد من عدم الاستقرار؟ لا يوجد عاقل يبحث عن عدم الاستقرار، إلا من يريد تغيّر مواقع حطب الشطرنج لصالحه ولتحسين فرص فوزه.

أما على المدى الطويل، فمن الصعب تصور أن العالم سيستمر بتجاهل الضرر البيئي من استخدام الوقود الهيدروكربوني. فعاجلاً أم آجلاً لا بد أن نصل إلى قمة للطلب على النفط ومن ثم تهبط أسعاره. ولكن إلى ذلك الحين (بغض النظر إن امتد إلى 10 أو 30 سنة)، على العالم التأقلم مع تقلبات وأزمات أسعار النفط لأنها ستتكرر كثيراً.

نصيحة للدول العربية المنتجة للنفط: عليكم إدراك بأن قرار تحديد أسعار النفط ليس بأيديكم وكذلك قرارات الإنتاج. أنتم عجلة في آلة معقدة وضخمة يسيطر عليها الأقوياء. فأفضل ما يمكن عمله هو الاستفادة من طفرات الأسعار واستثمار عائداتها في التنمية الحقيقية والكف عن الهدر بأنواعه لأنه سيأتي يوم تتلاشى فيه إلى الأبد عائدات النفط وفوائضها.

Share

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.