أزمة الرأسمالية؟

الوضع العالمي الراهن غير مطمئن بتاتاً ولا يعكس أي ثقة. فحب الهيمنة والسيطرة قد رفع درجة الاحتقان والتوتر العالمي إلى أعلى الدرجات تأهباً، على ما يبدو، للمعركة النهائية حول كيف سيكون حكم العالم: من قطب أوحد أم يعود إلى متعدد القطبية.

فالحرب بين عمالقة الغرب والشرق مشتعلة منذ فترة (ولو بشكل غير معلن) ويحاول كل معسكر جذب الدول الصغيرة طوعاً أو قهراً لجانبه ولا يسمح لها الوقوف على الحياد.

فسياسياً، هناك حروب قتالية جارية في سوريا، وأوكرانيا، وليبيا، واليمن، والصومال، وأفغانستان، إلخ وجميعها قابل للتصعيد لشمل أطراف خارجية جديدة. كما أن هناك تزايد مستمر في التهديدات العدائية ضد دول مثل كوريا الشمالية، وإيران، وفنزويلا، وكوبا، غيرها، وجميع هذه التهديدات قابلة بسهولة للتحول لحروب ميدانية مدمرة. وأخيراً هناك الخصومات المتنامية بين أمريكا، وروسيا، والصين، وتركيا، واليونان، وحلف الناتو، والحبشة، ومصر، الخ والتي تزداد تصعيداً وخطورةً يوماً بعد يوم.

أما اقتصادياً، فهناك حرب تجارية مكلفة بين أمريكا والصين، وسلسلة عقوبات اقتصادية على روسيا وغيرها. وكل هذا يحدث وجميع الدول والشركات والأفراد مثقلين بديون ضخمة غير قابلة للسداد ومبنية على ضمانات ركيكة من أصول وأسهم مضخمة. أي أن الوضع الاقتصادي العالمي هش بهشاشة بيت من ورق، فلا عجب أن علامات واشارات الانهيار أو الكساد المالي والاقتصادي العالمي قد بدأت تظهر بوضوح.

فالحروب مكلفة وتستهلك جزءً كبيراً من ثروات البلاد، مما يستدعي تنشيط الاقتصادات بأي وسيلة لتوليد كميات أكبر من الضرائب، ولتمكين الحكومات من الاستدانة مبالغ أكبر وأكبر. وهذا يتطلب تضخيم الأصول وتوليد فقاعات اقتصادية ومالية خطرة لا تستطيع الحكومات تمريرها إلا من خلال تخدير مواطنيها بشعور الازدهار والرفاه الزائفين وتشجيعهم على الانغماس في الاستهلاك المفرط ليعميهم عن أفعالها.

ماذا حدث؟

يبدو أن يوم الحساب الاقتصادي قد جاء الآن وبصحبته مصيبتين إضافيتين.

أول مصيبة هي اندلاع وباء كورونا في الصين مما عطل وأوقف نشاط ورشة العالم الصناعية وبذلك كشف فشل فكرة العولمة كما هي مرسومة ومطبقة. وقد بدأ هذا الوباء الآن بالانتشار عالمياً وعلينا الانتظار لمشاهدة حجم ضرره على المجتمعات والاقتصادات العالمية، ولكن المؤشرات لا تعكس تفاؤلاً.

أما المصيبة الاقتصادية الثانية، فقد أتت على شكل خلاف مزعوم بين روسيا والسعودية حول كيفية معالجة أسعار النفط المنزلقة تدريجياً.

فالسعودية متضررة أصلاً من تقلص الطلب العالمي على النفط ولكنها فوجئت بأن اندلاع وباء كورونا قد زاد من حدة هذا التقلص مما اضطرها للتحرك السريع ضمن خيارين: إما تقليص العرض العالمي للنفط من خلال زيادة تخفيض انتاج أوبك+ عما هو متفق عليه، أو زيادة الإنتاج وإغراق السوق بالنفط ليهبط سعره فيخرج منتجو النفط الحجري الأمريكي المكلف ويتقلص العرض كثيراً فيعود السعر للصعود. وقد حاولت السعودية تنفيذ هذا الخيار في 2014/2015 ولكن أصابها ضرر عظيم مما ربما دفعها الآن للخيار الأقل خطورة، ألا وهو تقليص انتاجها وإنتاج مجموعة أوبك+.

أما روسيا، فقد ارتأت بأن تقليص انتاج مجموعة أوبك+ ربما مفيد فقط على المدى القصير جداً ولكنه غير مؤثر على المدى الأبعد، كما أنه يتعارض واستراتيجياتها الجيوسياسية. كما ارتأت بأن تخفيض الإنتاج يصب في صالح منتجي النفط الحجري الأمريكي الذين سيستغلون أي تخفيض لزيادة انتاجهم والسيطرة على جزءٍ أكبر من حصة روسيا وأوبك+ السوقية، تماماً كما فعلوا بعد التقليص الأخير، الأمر الذي اعتبرته روسيا خطأً لن تكرره، وعليه رفضت الاقتراح السعودي. وكذلك يبدو أن روسيا قد قدرت أن منتجي النفط الحجري الأمريكي في وضع مالي ضعيف جداً ويشارف معظمهم على الإفلاس أو يقتربون منه، بالإضافة إلى أن الاقتصاد الأمريكي والغربي يمر في مرحلة ضعف وتقلبات لن تسمح لهم بالدفاع الفعال لإنقاذ النفط الحجري، وبالتالي بدت لها فرصة مواتية جداً لشن حملة قاتلة ضدهم.

ورَدَّت السعودية على رفض روسيا اقتراح تقليص الإنتاج بتغيير سياستها إلى العكس تماماً، أي أعلنت نيتها لإغراق السوق بالنفط وبدأت بتقديم خصومات كبيرة على أسعارها، كما أعلنت ببدء زيادة انتاجها من حوالي 9.8 مليون برميل في اليوم إلى حوالي 12-13 مليون برميل.

وقد فسر السوق هذا القرار بأن خلافاً عميقاً قد شب بين روسيا والسعودية، بينما إذا تمعنا في نتائجه فيبدو وكأنه يتوافق مع رغبة روسيا في دحر منتجي النفط الحجري الأمريكي، ولكن بشكل أكثر قوة وحدة.

فأثر القرار السعودي سيكون أقوى بكثير وقد يقصر المدة الزمنية المطلوبة لتحقيق هدف إيقاف النفط الحجري كلياً أو جزئياً، وهذا مفيد لأنه يقلص حجم الضرر على روسيا والسعودية في حال إطالة مدة حرب الأسعار.

لا شك أن الحكومة الأمريكية ستحاول التصدي لهكذا تحركات من خلال تقديم الدعم والتمويل الرخيص لمنتجي النفط الحجري، وقد ظهرت مؤخراً اشاعات عن مشروع تقديم 1 – 1.5 ترليون دولار للقطاعات المتضررة من كورونا والنفط والوضع الاقتصادي الضعيف. كما قد تتجه أمريكا للضغط على السعودية للكف عن اغراق السوق والعودة إلى سياسة تقليص الإنتاج. كذلك يمكنها منع استيراد النفط الأجنبي (من خارج القارة الأمريكية) بهدف المحافظة على سعر نفط مرتفع داخل السوق الأمريكي وبالتالي انقاذ منتجي النفط الحجري، ولكن هذه سياسة خطرة جداً وقد تولد حقداً من المستهلكين الأمريكان ضد حكومتهم، وهذا غير مقبول في سنة بها انتخابات رئاسية. وأخيراً يمكنها استخدام أدواتها المجربة بفرض عقوبات على بعض المنتجين (فخمنوا من هؤلاء).

النتائج المحتملة

قد أفرزت الغزوة السعودية الروسية على أسعار النفط نتائج فورية وكبيرة بهدف اخراج النفط الحجري من السوق وثم رفع الأسعار. ولكن هذه عملية طويلة وتستغرق سنوات، أي أن هناك فجوة زمنية time lag بين أي قرار اقتصادي وتحقيق نتائجه. وهنا تكمن الخطورة في احتمال حدوث تقلبات كبيرة وحادة في الأسواق المالية (أسواق الأسهم والمشتقات والسندات والدين والعملات إلخ) مما يؤدي إلى فرقعة جميع الفقاعات المتضخمة واحدة تلو الأخرى فينهار الهيكل الاقتصادي كلياً ويصعب إعادة بنائه.

فمن أين ستأتي الأموال لإعادة بناء ما دمر؟ خصوصاً وأن الجميع غارق في الديون (لشوشته). وهذا يعني أن الأدوات الوحيدة المتاحة ستكون مطبعة النقود ومن ثم توزيعها على الجميع بما يسمى بنقود الهليكوبتر – وطبعاً هناك خيار اندلاع حرب كبرى أو حتى عالمية.

وبافتراض أن الحكمة أو الحظ سيحولان دون نشوب حرب كبرى، من الصعب عندئذٍ تصور أن إعادة البناء (من الصفر) ستكون حسب المخطط الهندسي السابق، أي إعادة خلق نظام رأسمالي مفترس وغير مقيد ليتحكم برقاب المجتمعات والأمم. فحجم الألم والضرر الذي سيتكبده الناس والدول من الانهيار سيكون كبيراً لدرجة تحول دون سكوتهم والسماح للنخب المالية الدولية تكرار نفس الألاعيب.

فعندئذٍ قد تنجلي حقبة تاريخية جديدة تولد نظاماً اجتماعياً اقتصادياً جديداً. فقد نرى نظام الرأسمالية نموذج 2 ، أو الاشتراكية نموذج 2 ، أو حتى الاشتراكية الرأسمالية نموذج 1.5 ؟ والمهم عندئذٍ بقاء المجتمعات والدول الصغيرة صاحية وواعية كيلا تسحر وتخدع وتعود هي ومواردها أسيرة للفيلة الذين سيحاولون هرسها.

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.