قصة المسباح والعملة الرقمية

اعتاد سمير وخالد على التلاقي كل يوم في المقهى المجاور لمكان عملهما. وفي أحد الأيام، أخرج سمير من جيبه مسباح بلاستك مزخرف جميل وأخذ يُسَبّحُ به. أعجب خالد بالمسباح ولما استفسر عنه، شرح له سمير بأنه قد اشتراه من دكان في سوق الجمعة بدينارين. رغب خالد شراء المسباح، إلا أن سمير الجشع طلب به خمسة دنانير، دفعها خالد واستلم المسباح.

في اليوم التالي، افتقد سمير مسباحه وطلب استرجاه، إلا أن خالد بدهائه التجاري طلب عشرة دنانير. وبعد مساومة مريرة، دفع سمير البلغ على مضض واسترجع مسباحه العزيز.

وفي اليوم اللاحق، عاد خالد بطلب شراء المسباح، فباعه سمير إياه بسعر 15 دينار، ولكن في اليوم الذي بعده عاد واسترجعه بسعر 20 دينار. واستمر الوضع هكذا، يتداول المسباح بينهما يومياً بزيادة سعر خمسة دنانير لكل صفقة، حتى وصل بعد حوالي شهر إلى 170 دينار! ولما طلب خالد، في ذلك اليوم، شراء المسباح، اعتذر سمير وأجابه بأنه قد باعه قبل ربع ساعة لأحد زبائن المقهى بسعر 180 دينار.

انصدم خالد بهذا الخبر ولطم على جبينه مندداً بأسى: “ماذا فعلت يا غبي؟ بماذا سنتاجر الآن؟ كنا اكتشفنا وسيلة ممتازة لتحقيق الربح اليومي، يوم لك ويوم لي. انهض وابحث عن المشتري لعلنا نسترجع مسباحنا وتجارتنا.”

قفز سمير وأخذ يجول في جميع نواحي وغرف المقهى بحثاً عن المشتري، ولكنه فشل وعاد وجلس محبطاً ورأسه بين يديه في تفكير عميق. وبعد بضع دقائق ابتسم وصرخ: “وجدها يا خالد. سأذهب إلى الدكان في سوق الجمعة وأشتري مسباحاً جديداً فنعود لتداولنا اليومي.”

ابتسم خالد وهمس وكأنه يتآمر: “ممتاز، ولكن خفض صوتك كي لا يسمعنا الزبائن في الطاولات المجاورة فيكتشفوا سر تجارتنا الناجحة.”

الجزء الثاني من القصة:

وهكذا اعاد سمير وخالد تداولهما اليومي مستخدمين المسباح الجديد الذي اشتراه سمير. وبعد أسبوع من التداول، جاء الزبون الذي اشترى المسباح الأول، وألقاه عليهما بغضب واتهمهما بالغش ببيعه مسباح بسعر 180 دينار بينما لا تتعدى قيمته دينارين. وطالب باسترجاع نقوده.

نظر سمير إليه باحتقار، وأجابه بلا أدنى مبالاة: “هذا نظام السوق الحُرّ. كان السعر السائد للمسباح عندما اشتريته 180 دينار، أما سعره الآن 35 دينار، ونحن على استعداد لشراء مسباحك بسعر 35 دينار أو بيعك مسباحنا بنفس السعر.”

أيقن المشتري بأنه لن يحصل على ماله، فقبل على مضض بيعهم مسباحه بسعر 35 دينار، قبضها وغادر غاضباً. ولكنه عاد بعد بضع دقائق وعلى وجهه ابتسامة خجولة، وقال بلطف وأدب عميق: “لقد فكرت في الموضوع، وحيث أني قد خسرت في الصفقة، أعتقد بأني قادر على تعويض بعض خسارتي بمشاركتكما في التداول. أرجو أن تقبلوني متداولاً في سوقكم الصغير.” وهكذا أصبحوا ثلاثة، يتداولون يومياً وسعيدون بأرباحهم المنتظمة.

الجزء الأخير من القصة:

وبعد بضعة أسابيع، انتشر خبر هذه البورصة الصغيرة بين رواد المقهى وطلبوا الانضمام لها. وبعد شهر، توسعت دائرة التداول لتشمل زبائن المقاهي والدكاكين المجاورة.

ولكن بهذه الزيادة الكبيرة في عدد المتداولين على مسباحين فقط، كثرت صفقات البيع والشراء وأصبحت بالمئات يومياً، مما دفع السعر لأعلى بشكل صاروخي حتى وصل بعد أسبوع إلى 4600 دينار للمسباح الواحد!

ثم جاء ذلك اليوم المشؤوم، عندما دخل غريب إلى المقهى ولاحظ، أثناء احتسائه قهوته، حركة المتداولين الصاخبة وضجيج مساوماتهم فاستفسر عنها. ولما فهم الأمر، قام مسرعاً ودفع فاتورة قهوته وخارج من المقهى، ثم عاد بعد ساعة ومعه مائتي مسباح مزخرف وأخذ يبيعهم للمستثمرين الشرهين. وفعلاً تمكن من تصريف كل مسابيحه في دقائق قليلة من خلال تخفيض تدريجي للسعر بحيث باع آخر مسباح بسعر 400 دينار. عندئذٍ جمع حصيلة مبيعاته وخرج من المقهى رجل ثري جداً.

وفجأة اكتشف المتداولون بأن سوقهم قد غرق بالمسابيح وأن لدى كل واحد منهم مسباح، فلا يوجد مشترٍ. فانهار السعر حتى وصل دينارين بدون ظهور أي عروض شراء. فخسر الجميع، خصوصاً المستثمرون الجدد الذين اشتروا بأسعار مرتفعة، فغضبوا وأخذوا يهددون بمقاضاة سمير وخالد، اللذان فهما الوضع مبكراً وفرا من المقهى والحي والمنطقة ولم يعودا أبداً.

وبعد أسبوع نجح صحفي مجتهد بالعثور على الغريب الذي أغرق السوق بالمسابيح، وسأله عن سر فلسفته التجارية العبقرية التي أثرته ثراءً فاحشاً. ابتسم وأجابه: “بسيطة، استخدمت مبادئ أساسية في الاقتصاد. فقد وجدت أن المسابيح المتداولة مشابهة للعملة الرقمية، إذ لا تمتلك أي قيمة ذاتية، وليس لها استخدام مفيد يفوق قيمة الدينارين. كما أن قلة العرض مقابل طلب متزايد بسرعة فائقة مدعم بجشع أهوج، دفع بالسعر نحو السماء. فكان من المنطقي أن اقتنص الفرصة وأزيد العرض لأغرف أرباح خيالية.”

Share

رأيان على “قصة المسباح والعملة الرقمية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.