مخاطر تحرير الأسواق والتقشف الاقتصادي

مخاطر تحرير الأسواق والتقشف الاقتصادي

منذ سنين والانتقادات تتزايد تجاه مبدأ الاقتصاد الليبيرالي الحديث Neo Liberal Economics الذي يَتَّبِعَهُ صندوق النقد الدولي IMF ، ويفرضه على جميع الدول التي تستنجد بخدماته لمساعدتها في معالجة أي تعثر اقتصادي يصيبها. وقد انتهت كثير من هذه الدول، ومعظمها فقيرة و/أو نامية، إلى أوضاع أسوأ مما كانت عليه. بل في جميع الحالات فرضت عليها سياسات التحرر الاقتصادي التي ترجم إلى رفع القيود الداخلية والخارجية على أسواقها، مما أدى إلى توغل الشركات الأجنبية والسيطرة على مواردها الوطنية. تماماً كما لو دعينا الثعلب إلى قفص الدجاج. 

لا شك أن العديد من سياسات صندوق النقد قد أدت إلى، أو ساهمت في، تحسين أوضاع بعض الدول ورفعت أو خففت من تعثرها. ولكن في معظم الأحيان تضمن ذلك دخول الثعلب ومكوثه فيها.

ويدعو الاقتصاد الليبيرالي الحديث، فيما يدعو إليه، إلى تحرير الاقتصادات والأسواق من القيود بهدف زيادة المنافسة، ورفع حواجز دخول وخروج رؤوس الأموال، وتقليص حجم ودور الحكومة. فيتوقع من فتح الأسواق المحلية التجارية والمالية، دخول الشركات التجارية والاستثمارية الأجنبية على أمل أن تنقل معها التكنولوجيا الحديثة ورؤوس الأموال إلى الدول المتخلفة. ويتوقع من تقليص حجم مصاريف الحكومة، من خلال التقشف والتخصيص، تقليص عجز ميزانيتها الذي يضطرها للاستدانة.

المشكلة في هذا الكلام الجميل هي أنه عام وبالتالي سطحي، ولا ينفع تطبيقه على جميع الدول وجميع الاقتصادات بنفس الأسلوب ونفس الجرعات – فالحل ليس جراباً “قياس واحد يُلْبِسُ الجميع”. فالاقتصادات تختلف عن بعضها من ناحية مكوناتها، ومراحل نموها، ونوعية وأسباب توعكها أو تعثرها.

وقد صحى أخيراً بعض اقتصاديو صندوق النقد الدولي، وقدمت مجموعة منهم (في إدارة البحوث الاقتصادية) ورقة بحث تنتقد جزء من السياسة الاقتصادية المتبعة (ونشر ذلك في مجلة الصندوق بتاريخ يونيو 2016). وبالرغم من أن البحث ركز على سياستين فقط، إلا أنه كشف بداية تغير جوهري في تفكير الصندوق، ولو في قسم البحوث، على أمل أن تنتقل هذه الصحوة إلى الأقسام التشغيلية التنفيذية.

وركز البحث على جانبين إثنين: سياسة فتح الأسواق المالية لرؤوس الأموال الأجنبية، وسياسات التقشف الاقتصادي التي تفرضها توصيات الصندوق. وباختصار شديد، شكك مقدمو البحث في جدوى هاتان السياسيتان، بل أيقنوا بأنهما تؤديان في كثير من الأحيان إلى نتائج ضارة متمثلة في فشل تحفيز النمو الاقتصادي، وزيادة الفوارق المالية بين طبقات المجتمع.

ففتح الأسواق المحلية لرؤوس الأموال الأجنبية، يؤدي في كثير من الأحيان إلى زعزعة الوضع المالي للاقتصاد خصوصاً عندما تكون رؤوس الأموال الأجنبية القادمة مضاربية الطابع و/أو قصيرة المدى، بغض النظر إن كانت على شكل استثمارات مباشرة أو قروض. فهي تزيد من حدة الطفرات (أو شدة الكساد) حسب مرحلة دورة الأعمال التجارية السائدة Business Cycle حين قدومها (أو مغادرتها). فيشير البحث إلى أن حوالي 20% من الحالات التي اتبعت سياسة فتح أسواقها لرؤوس الأموال انتهت بأزمات مالية واقتصادية مؤلمة وطويلة (أشهرها تايلاند). كما أن عدم وجود مفاهيم ونظم ومؤسسات متطورة تضبط وتراقب عملية فتح الأسواق يفاقم الضرر. ففي المحصلة، فشلت تلك الدول في تحقيق النمو الاقتصادي وزادت الفوارق المالية الطبقية والاجتماعية.

أما بالنسبة لسياسة تقليص حجم الحكومة ومصاريفها من خلال سياسة التقشف (أو التخصيص)، يحذر معدو البحث من خطورة التعميم ومحاولة تطبيق سياسة واحدة على جميع الاقتصادات والحالات. وكذلك بالنسبة للدين العام، الذي يُقِرّونَ بأن ضخامته مضر للنمو، ومن الأفضل تخفيضه في أقرب فرصة. ولكن بنفس الوقت يحذرون من زيادة الضرائب (والرسوم) ومن تقليص المصاريف لأنها تضر وتعثر النمو وتُغَيِّرُ السلوك الاقتصادي السائد. فهناك توازن دقيق بين الدين العام وسرعة تقليصه، يختلف من دولة إلى أخرى، وبالتالي تختلف طريقة معالجته في كل منها.

ويشير البحث إلى أن سياسة التقشف تؤدي إلى وأد النمو، وتزيد من حجم الدعم المطلوب (شبكة الأمن الاجتماعي) لحفظ سلامة المجتمع. وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة مصاريف الدولة التي ربما تمول من خلال زيادة الضرائب (والرسوم)، التي بدورها تزيد من تَقَلّص النمو والنشاط الاقتصادي، مما يزيد حجم الدعم – وهكذا تصبح دورة متشائمة بائسة ومستمرة. (يرجى الملاحظة بأن التقشف لا يشمل الهدر أو المصاريف غير الضرورية. فهذه أساساً ضارة وربما إحدى أسباب التعثر الاقتصادي).

ويقترح البحث حلولاً للوقاية من الآثار السلبية للتقشف، ويركز على ثلاثة خطوات: تحرك الحكومة لإعادة توزيع الدخل والمنافع في المجتمع، وتقليل من وقع التقشف على أصحاب المداخيل المنخفضة، وزيادة الصرف على التعليم وإعادة التأهيل والتدريب مما يحسن فرص العمل في المجتمع فيقلص فوارق الدخل. وهنا نشير إلى أن الخطوات الوقائية هذه، بطبيعتها، متوسطة وطويلة الأمد وتحتاج إلى تريث وتخطيط وتجهيز، لا الإسراع باستخدام سيف التقشف كردة فعل فورية مما يضخم المشكلة.

هذا، وقد “شهد شاهد من أهله” في تقرير قسم البحوث في صندوق النقد الدولي، نأمل أن تتحول استنتاجاته إلى سياسات ميدانية جديدة تجاه الدول النامية والمتعثرة. ولكن الأهم من كل هذا، نأمل أن يفهمها القائمون على الاقتصادات الخليجية، ويستخلصوا منها رؤية لبناء استراتيجيات وخطط جديدة مناسبة لوضعها الاستثنائي.

Share

رأي واحد على “مخاطر تحرير الأسواق والتقشف الاقتصادي”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.