هل تورطت منظمة أوبك؟

تواجه أمريكا عدة مشاكل متصادفة في آن واحد. ضعف وهشاشة اقتصادها وورم فقاعات الأصول المتضخمة، وانتشار وباء كورونا، وتهديد قطاع النفط الحجري الأمريكي. ويعتقد الكثيرون بأن هذه المشاكل مجتمعة قادرة على زعزعة الاقتصاد الأمريكي واسقاطه أو في أحسن الأحوال إدخاله في مرحلة كساد عميق وطويل. وقد نشطت مؤخراً الحكومة الأمريكية محاوِلةً التصدي لكل واحدة من هذه المشاكل وما زلنا ننتظر لنرى أثر ذلك.

أما بالنسبة لقطاع النفط الحجري الذي يعتبر العامود الفقري لاستراتيجية تحرر أمريكا من الاعتماد على النفط الأجنبي، فقد هز الحكومة الأمريكية وأزعجها انهيار أسعار النفط الذي يضمن إفلاس شركاتها العاملة في هذا القطاع. وحيث أن السبب الرئيسي لهذا الانهيار هو قرار السعودية وروسيا والامارات زيادة إنتاجهم في سوق ضعيف الطلب، فمن الواضح أن هدفهم هو إخراج منتجي النفط الحجري الأمريكي من السوق. لذلك نتوقع ردة فعل أمريكية تصاعدية حسب الخطوات التالية:

الخطوة الأولى:

بالإضافة إلى إعلان نيتها لإطلاق رزمة دعم مالي للاقتصاد ككل تقدر بحوالي 2 ترليون دولار، وعدت الحكومة الأمريكية بدعم إضافي لقطاعات أخرى متضررة بما فيها قطاع انتاج النفط الحجري. ولأن هذا الدعم قابل للنمو الكبير والسريع، فإن فشله في إنعاش وتنشيط الاقتصاد يعني تكدسه فوق جبل الدين الحكومي البالغ حوالي 23 ترليون دولار مما سيزيد الاقتصاد ضعفاً.

أما بالنسبة لمحاولة إيقاف انهيار أسعار النفط، فقد أعلنت الحكومة الامريكية بأنها بصدد مبدئياً شراء 30 مليون برميل نفط خام لمخزونها الاستراتيجي. قد تبدو هذه كمية كبيرة ولكن وقعها الاعلامي أكبر ويستهدف طمأنة الهلع المتزايد في السوق، فهذه الكمية تعادل انتاج فقط 2.5 يوم من النفط الأمريكي، كما أنها لا تكفي لأكثر من 7 أيام استهلاك إذا اعتبرنا أن 4.4 مليون برميل هو السقف المسموح سحبه يومياً من المخزون الاستراتيجي. وحيث أن أمريكا تنتج حوالي 12.8 برميل يومياً، وتستهلك حوالي 20 مليون برميل، لا يمكن اعتبار هذه الخطوة كمنقذ حقيقي للاقتصاد أو لقطاع النفط الحجري.

الخطوة الثانية:

اتبعت أمريكا في هذه الخطوة سياسة المناورة الدبلوماسية بهدف فصل السعودية عن روسيا وبالتالي التعامل مع كل منهما على حدة. أي أنها تحاول تقسيم مشكلة كبيرة إلى النصف لتصبح مشكلتين أصغر وأسهل، فلكل منهما أسلوب مختلف للتعامل.

فاتبعت مع للسعودية (التي مع روسيا والامارات تقود عملية إغراق سوق النفط) أسلوب الضغط الأخلاقي اللطيف moral suasion، وبدأت بالتصريحات والمقالات التي تمدح دور السعودية الدائم والفعال في ضمان استقرار سوق النفط وضرورة استمرارها في ذلك. وثم أعلنت نيتها لإرسال أحد كبار مسؤولي قطاع الطاقة الأمريكي إلى السعودية لقضاء عدة أشهر للتوصل لاتفاق يعيد استقرار سوق النفط.

وبنفس الوقت، ولكن بشكل منفصل، اتصل عضو مجلس إدارة هيئة سكك الحديد لولاية تكساس (الهيئة المشرفة على قطاع النفط والغاز في الولاية)، برئيس منظمة أوبك وعرض أن تقلص أمريكا انتاجها النفطي بمقدار 10% عن مستواه قبل اندلاع وباء كورونا، بشرط أن تفعل السعودية وروسيا نفس الشيء، متوقعاً أن يؤدي ذلك لارتفاع أسعار النفط إلى مستوى منتصف الثلاثينات دولار للبرميل، والذي برأيه سيرضي الجميع.

ولكن سرعان ما تبرأت وزارة الخارجية الأمريكية من هذا الاقتراح وصرحت بأن الحكومة الفدرالية لا تمتلك أي سلطة أو صلاحية بهذا الشأن، وأن الأمر متروك لكل ولاية أن تقرر حسبما تراه وتلتزم على أساسه. كما استنكر رئيس مجلس إدارة هيئة سكك حديد تكساس اقتراح عضو مجلس إدارته، ووصف فكرة تقليص الإنتاج الأمريكي بغير عملية إطلاقاً. وأخيراً، سخر ممثلو قطاع النفط الأمريكي من هذا الاقتراح ووصفوه بالاحتكاري لأنه يحدد كوتا ومحاصصة مما يتعارض ومبدأ السوق الحر.

إذن كيف يمكننا وصف هذه المحاولة؟ هل كانت مجرد مسرحية وهمية لجر رجل السعودية وربما روسيا وزعزعت عزيمتهما للمضي في خطة إنقاذ مصدر رزقهم الرئيسي؟

الخطوة الثالثة:

برزت بوادر الشدة في هذه الخطوة وبدأت بتوجيه عشرة أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي رسالة تحث سفيرة السعودية لدى أمريكا على طلب حكومتها بالتراجع عن إغراق سوق النفط. كما وقع ثلاثة عشر شيخاً من أعضاء الكونجرس رسالة إلى ولي عهد السعودية يُذَكِّرونه بالعلاقات الطويلة والطيبة والمجزية بين بلديهما وضرورة المحافظة عليها. وأخيراً أرسل أحد الشويخ رسالة إلى الرئيس ترامب يطالبه رسمياً بمقاطعة نفط السعودية وأوبك وروسيا وفرض عقوبات عليهم.

وتزداد خطورة هذه المرحلة ليس لأن أمريكا زبونٍ كبير لنفط أوبك ويخشى أن يتوقف عن الشراء، وإنما لأن أمريكا تتحكم بجميع خيوط صناعة النفط ابتداءً بتكنلوجيا حفر وإنتاج النفط ومعداتها، وأسواق وبورصات النفط، ووسائط الشحن، والمصارف وتحويل العملات، وبيع الأسلحة والذخيرة، إلخ. فأي تعطيل أو تجميد لهذه الخيوط سيلقي بدول الأوبك في دوامة عاصفة، مما يدعو للحذر الشديد عند التعامل مع طلباتها. وبينما روسيا كبيرة وقوية وقادرة على الدفاع عن مصالحها (بالرغم من العقوبات الأمريكية المفروضة عليها)، إلا أن دول الأوبك صغيرة وضعيفة نسبياً.

الخطوة الرابعة:

وفي حال فشل الخطوات الثلاثة السابقة في تحقيق أهداف أمريكا، قد يأتي دور لعب كرت الجوكر الذي سيصبح سيفاً مسلطاً على رقاب دول الأوبك إلى الأبد. فقد يتم استخدام قانون نوبك NOPEC.

وقانون نوبك الأمريكي يجرم سياسات أوبك في الاتفاق على كبح أو إطلاق الإنتاج، والمحاصصة، وتحديد الأسعار. فهو مبني على القانون الأمريكي الشهير لمكافحة الاحتكار والمعروف باسم شيرمان Sherman Act والذي سن قبل مائة وثلاثين سنة بهدف تحطيم الاحتكارات السائدة حينئذٍ مثل شركة روكفلر للنفط. ويتميز قانون نوبك بأنه يلغي مبدأ سيادة الدول ويخضعها للقانون والمحاكم الأمريكية، وقد تمت محاولة تمريره في الكونجرس الأمريكي عدة مرات منذ سنة 2000 ولكنه كان دائماً يواجه بفيتو رؤساء الجمهورية. وثم وصل الرئيس ترامب إلى سدة الحكم، وهو صاحب الرأي المؤيد لقانون نوبك والمُعْلَن جهاراً منذ سنة 2011.

قد يطمئن البعض إلى أن رؤساء أمريكا عادة يغيرون آرائهم بعد استلامهم الحكم، أي بعد أن يوضح لهم الأخصائيون ما هي حقيقة العالم والعلاقات الدولية. وخير مثال على ذلك الرئيس أوباما الذي صوت مؤيداً لهذا القانون عندما كان في مجلس الشيوخ ولكنه تغير عندما أصبح رئيساً وأصدر فيتو رئاسي ضد إحدى محاولات تمريره. كذلك بالنسبة لهيلاري كلنتون التي صوتت مؤيدة لنسخة قديمة منه في مجلس الشيوخ، وثم أصبحت وزيرةً للخارجية.

ولكن من الواضح أن الرئيس ترامب غير تقليدي ويختلف عن كل من سبقه في تعامله مع الأحداث الداخلية والخارجية، وبالتالي يمكن تصور أنه أمْيَل لاستخدام قانون نوبك كأداة أو سلاح تكتيكي للوصول إلى أهدافه، بغض النظر عن أي ضرر يصيب الغير. ولذلك يخشى في حال عدم انصياع أوبك لطبلاته، أن نشاهد سرعة فائقة في مسيرة اعتماد القانون في الكونجرس ونفاجأ بوصوله إلى مكتب الرئيس للتوقيع.

خيارات دول أوبك:

ويشكل قانون نوبك، في حال تطبيقه، كارثة عظمى لدول الأوبك، وخصوصاً لدول الخليج النفطية. فالكارثة ليست فقط في أن إيرادات نفط هذه الدول لا تغطي مصاريف ميزانياتها، وإنما يتعدى ذلك إلى تهديد ثرواتها المتمثلة باستثمارات وودائع ومحافظ سيادية ترليونية في أمريكا ودول تؤيد مبدأ قانون نوبك. أي أن هذه الدول المنتجة للنفط معرضة للتحول فجأة من ملائة مالية إلى شحة في السيولة وربما التعثر المالي، مما يطلق الخيال لسيناريوهات قاتمة كدول فاشلة وربما حتى أنظمة مستهدفة. فقرار أمريكي من هذا النوع قد يعني زيادة حصيلة الدمار عن السبعة دول شرق أوسطية المستهدفة أصلاً، حسبما كشف الجنرال ويزلي ويستمورلند قبل عدة سنوات.

وبناءً على احتمال اعتماد قانون نوبك وضخامة الضرر الناتج عنه، ليس أمام دول أوبك غير ثلاث خيارات. الأول هو الانصياع لطبلات أمريكا، والثاني الانتقال الجماعي إلى صف المعسكر الروسي و/أو الصيني. ولكن كلهما مؤقت وغير دائم لأن شدة ضرر تطبيق قانون نوبك وهزته العميقة ستربك هذه الدول داخلياً وخارجياً فيصعب عليها الالتزام بخط سير أو استراتيجية ثابتة.

أما الخيار ثالث، وهو استباقي لقانون نوبك، ويتمثل في فلّ وإنهاء منظمة أوبك الآن، خصوصاً وأنها لم تعد مؤثرة على السوق، كما أثبتت ضرورة مغازلة روسيا ودول أخرى لدعم أوبك لرفع الأسعار فيما عرف لاحقاً بمجموعة أوبك+. أي أن مخاطر استمرار أوبك أكبر من فوائدها الحقيقية والنظرية.

ولا شك أن اختفاء أوبك، كمنظم للإنتاج والأسعار، سيزيد من حدة تقلبات سوق النفط وأسعاره ويجعلهما ظاهرة مزمنة، مما سيصعب على الدول النفطية وشركاتها التخطيط الرأسمالي السليم والاستثمار في حقول نفطها القديمة والجديدة، فيتعرض السوق لجولات من شح في الانتاج وأخرى فائض. أي أن مستقبل الدول المنتجة سيتأرجح بين قفزات عظيمة في أسعار النفط تفرحها، ونكسات طويلة تزيد من عجوزات ميزانياتها. ولن تسلم شركات النفط العالمية، إذ أن هذه التقلبات الحادة ستساهم في تراجع استثمارها الرأسمالي فينخفض إنتاجها تدريجياً وتتقلص حصصها السوقية.

والسؤال الأخير هو: هل كان أمام الدول المنتجة أي خيار غير إغراق السوق بالنفط لإخراج منتجي النفط الحجري الأمريكي؟ الجواب طويل ولكن باختصار شديد: لا ، لم يكن لها على المدى القصير غير هذا الخيار بالرغم من خطورته. فلو انتظرت مدةً أطول لضاعت فرصتها للمحافظة على نفطها وإيراداته على المدى الطويل. فالمخاطرة الآن أفضل من ضمان الفشل في المستقبل.

Share

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.