هل تستطيع المعاهدات منع الحروب؟

يؤكد التاريخ حتمية نشوب الحروب. فإنها متأصلة في العقل البشري – كما في جميع الكائنات الأخرى. فيبدأ الطفل باستخدام العنف والعداء بسن مبكرة مع اخوانه واخواته للحصول على الألعاب والملذات، ويستمر ذلك في المدرسة، ومن ثم ينمو ويزداد خبثاً ولؤماً وشراً حتى سن الشيخوخة. فالطمع والأنانية أساس العنف والعداء والحروب.

وقد تَمَيَّزَ البشر، ربما بسبب قدرتهم الذهنية الأكبر، في محاولة كبح العداء والعنف المتأصل فيهم، خصوصاً بعد تطورهم من مجتمعات متنقلة تعتمد على الصيد وجمع النباتات إلى مجتمعات مستقرة في قرىً بدائية، ومن ثم في مدن، وفي النهاية في ممالك وامبراطوريات. وحاولوا تنظيم علاقاتهم عبر العادات والتقاليد العائلية والقبلية، وثم عبر الضوابط والحدود الدينية، وثم من خلال القوانين المدنية التي صممتها نخب مجتمعاتهم. إلا أن جميعها فشل واستمرت الحروب بلا ردع أو قيود. بل ازدادت شراسةً ودماراً، خصوصاً مع تحويل كثير من الاختراعات والابتكارات إلى ميدان القتال، مثل: الأسلحة البرونزية، عربات القتال عند الفراعنة، المنجنيق، النار الإغريقي، القوس الطويل، البارود، الطائرات، الطاقة الذرية، الليزر، رحلات الفضاء الخارجي، إلخ.

ما هي المعاهدات؟

وقد حاول البشر ضبط ومنع نشوب الحروب من خلال المعاهدات، والتحالفات، والهدنات. ولكنها جميعاً كانت مجرد غش وكذب، وبالتالي مفعولها كان قصير المدى. فما من معاهدة كانت صادقة ولا من مصافحة ملزمة. والتاريخ مليء بحالات نكث المعاهدات أو إلغائها، وعددها أكثر بكثير من حالات النكث التي شاهدناها خلال البضع سنوات الماضية، أو التي سنشاهدها قريباً.

والمشكلة ليست بالمعاهدات. فهي مجرد عمليات تمويه يستخدمها الباغي الطامع لأنه غير قادر حالياً على اختطاف مبتغاه بنجاح، وبالتالي يستخدمها لشراء الوقت. وكذلك بالنسبة للطرف الآخر “الضحية” الذي يرى في المعاهدة فراراً مؤقتاً من كارثة، فيؤجل وقوعها ريثما يهتدي إلى مخرج. وإنما المشكلة في الطمع المفرط الذي يهدف الاستحواذ على خيرات وأصول الآخرين من أرض، وموارد طبيعية، أسواق، وخبرات وعلوم، وسيطرة سياسية، إلخ. وبالرغم من أن الطمع للهيمنة والسيطرة الإقليمية أو العالمية ظاهرة قوية جداً يصعب التحكم بها، إلا أن لها نهاية، أي أنها تستمر إلى أن تستغرق مداها ثم تنتهي وتندثر. ولكن للأسف، سرعان ما تظهر من جديد في مكانٍ آخر.

وتتفاقم مشكلة الطمع والأنانية مع الأقوياء لأن علاجها أصعب بكثير. فلدى الأقوياء القدرة على تجاهل القوانين والأعراف الدولية، وقرارات المنظمات والمحاكم العالمية. كما بإمكانهم تقرير وبشكل فردي مبررات الهجوم على من هم أضعف منهم. وقد يتخذ هجومهم أشكالاً مختلفة مثل: حرب دموية مدمرة، أو عقوبات، أو مقاطعة، أو تدخلات في شؤون الغير، أو خنق اقتصاد منافس أو غير مطيع، أو تحريض على الاضطرابات المدنية، أو تأجيج حروب أهلية، إلخ. وكل ذلك لإشباع طمعهم غير المتناهي والذي يتم إخفاءه خلف قناع من التسميات المبهمة مثل: الاستراتيجيات والسياسات الجيوسياسية أو متطلبات الأمن القومي.

معاهدات الأسلحة النووية

وقد ذكر الكاتب جورج فريدمان بتاريخ 22 أكتوبر 2018 في موقع Geopolitical Futures للدراسات الاستراتيجية (سابقاً مؤسس مركز Stratfor)، بما معناه أنه لا قيمة للمعاهدات النووية لأن الرادع الحقيقي لنشوب حرب نووية هو فظاعة الدمار الناتج عنها والذي يصيب الأطراف المتحاربة بالدرجة الأولى، وبالتبعية بقية العالم. وإن كان هذا الطرح مقدمة لتبرير نية أمريكا للانسحاب من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى والموقعة سنة 1987 بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، فإنه بحاجة لإعادة نظر لأن منطقه يبدو منحازاً نحو استنتاج مستهدف مسبقاً، ألا وهو: “لا ضرر من الغاء أمريكا للمعاهدة، ولا داعي للعالم أن يستنكر هذا القرار الذي يزيد من مخاطر واحتمالات دمار البشرية”. والظريف في الأمر هو أنه يمكن استخدام هذا المنطق لتبرير رغبة معظم دول العالم في تملّك قنابل نووية، مما يقوض سياسة عدم انتشار الأسلحة النووية التي تطبق بصرامة منذ عقود طويلة (بل تسببت بحروبٍ مدمرة في العراق وليبيا، وتهدد الآن كوريا الشمالية وإيران). وبالرغم من ذلك، لا نتوقع السماح لها تملك القنابل النووية، ونتصور تبرير الغرب مبني على الافتراض بأن جميع دول العالم غير النووية تدار من قبل ناس لا يمكن الوثوق بقدرتهم على فهم مخاطر ونتائج تملك واستخدام القنابل النووية (وماذا عن هيروشيما وناغاساكي؟). وقدم فريدمان مثالاً مزدوجاً يدعم رأيه، وباطنياً يبرر رفض نشر الأسلحة النووية في العالم، حيث ادعى بأن “المجنون” ماو تسي تونج (عظيم الصين الأسبق) دأب على التهديد بتدمير العالم إلى أن تملّك قنابل نووية، فأوقف تهديداته فوراً.

وبينما نتفق بأن المعاهدات لا تمنع الحروب – وإنما تؤجلها – إلا أننا نعتقد بأن المعاهدات التي تقلص من تطوير نماذج أسلحة جديدة أكثر قوةً وفتكاً، وتحدد مناطق حظر نصبها، تساهم بشكل فعال في تقليص دخول أسلحة مدمرة جديدة إلى ميادين القتال هي حلول مؤقتة مهمة. كما أنها توفر الوقت الإضافي الضروري لمعالجة أزمات اندلاع فورات “الطمع” في العلاقات الدولية لعلها تمنع تحولها إلى حروب مدمرة.

الجانب الاقتصادي للمعاهدات

ولكن الأهم في موضوع المعاهدات (ولم يتطرق له المفكر الاستراتيجي) يتعلق في موضوع الاقتصاد. فجميع الحروب مكلفة، وعندما يستحوذ الطامع الباغي على جميع الأراضي المتوفرة ويقضي على جميع الضحايا، لن يجد موارداً جديداً يغذيه فينهار من ثقل وزن مصاريفه وتكاليفه. والتاريخ مليء بالأمثلة لنهايات مأساوية لإمبراطوريات عظيمة أفلست فاندثرت.

فالعالم غارق حالياً بالديون القياسية وليس هناك أمل في معالجتها، ناهيكم سدادها. كما لا توجد دولة، بغض النظر عن حجمها أو ثرائها، لديها مناعة ضد مرض التبذير والصرف الأهوج الذي يؤدي إلى عجوزات مزمنة في ميزانياتها. فما بالكم بإلغاء المعاهدة النووية وإطلاق العنان لسباق تسلّح جديد مكلف؟ ولأي هدف؟ فالأقوياء يمتلكون حالياً أعداد من القنابل النووية كافية لتدمير الكرة الأرضية عشرات المرات، فإضافة أسلحة جديدة لن يرجح كفة أي من الخصوم، خصوصاً على المدى المتوسط والأطول. قد تكون هذه هدية مغرية لمصانع وتجار الأسلحة، ولكن من الأجدى تحويل المصاريف العسكرية نحو المشاريع التنموية الاجتماعية والاقتصادية ذات العائد الحقيقي.

الحل الحقيقي للحروب

نستنتج هنا بأن المشكلة الحقيقية هي الطمع والأنانية المفرطة التي لا يمكن مَحْيّها من العقول البشرية. ولكن ربما من الممكن ضبطها وتخفيف وقعها السلبي من خلال التصرف الجماعي الدولي. فكما أن الجاموس الأفريقي الأعزل يقع ضحية سهلة للأسد، إلا أن تعاون قطيع الجواميس يُمَكِّنَهُم من الصمود في أرضهم ورد صاع الأسد صاعين، مما عادة يؤدي إلى مقتل أو جرح الأسد وإلغاء الهجوم.

فهل لدى البشرية القدرة الذهنية والإرادة لإيجاد وسيلة لضبط ومجابهة “الطمع” والبغي؟ قد يتطلب الأمر مَحي كل ما كتب سابقاً على السبورة، وبالبدء بصفحة بيضاء لرسم قوانين وشروط وإجراءات جديدة للتعامل بين الدول. وفشلنا هنا يعني فشل العالم بما فيه مستقبل الأجيال القادمة، أي أن الخسارة ستعم الجميع… بغض النظر من يكسب المعركة الحالية.

Share

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.