الهيمنة السياسية والدومينو ومستقبل البشرية

ماذا قالت حطبة الدومينو لجارتها؟ “لا تبالي، إن ما يحدث بعيدٌ عنا!” وعادتا للتركيز باطمئنان وهمي على نقطهما البيضاء، بينما تهاوى خط الدومينو ورائهما حطبة تلوى الأخرى. وفي الحقيقة لا نلومهما، فحطب الدومينو جماد لا يمتلك أي ذكاء.

أما البشر، فلديهم عقول يتوقع أن تمكنهم من إدراك ما يحدث حولهم ومن ثم تقدير أثره على أمنهم وحياتهم. ولكن للأسف، هذا نادراً ما يحصل، مما ربما يزيد من صحة النظرية التي تدعي بأن تحول الانسان الأول من التجوال إلى الاستقرار في مجتمعات زراعية بدائية زاد من حنان واهتمام البشر ببعضهم ودعمهم لبعض، مما غير في قاعدة الانتقاء الطبيعي الداروينية وحافظ على الجينات الغبية من الاندثار.

والغريب في الأمر هو أن عنصر الخوف ليس بظاهرة جديدة. فمنذ أن تغلب الإنسان الأول على خوفه من الحيوانات المفترسة وتعلم كيف يقتلها، وهو يركز جل جهده في قتل البشر الآخرين. فنزعة السيطرة والهيمنة موجودة من آلاف السنين منذ السومريين والآشوريين مروراً إلى وحوش الاستعمار في الخمسمائة سنة الماضية.

الوضع الحالي للهيمنة

تأتي الهيمنة والسيطرة بين الدول بمقاسات مختلفة، فمنها الصغير، والمتوسط، والكبير، وتشكل سِلَّم تصنيف تدريجي للمهيمنين ويمكن التسلي بمشاهدته عملياً في النشرات الإخبارية اليومية. كما تأتي على شكل نماذج مختلفة، منها الهادئ اللطيف ولكنه غدار، والكريم بالمساعدات الاقتصادية ولكنها تحتوي حبال للشنق، والعدائي ذو نزعة للقتال والحروب، وأخيراً المريض بالشيزوفرانيا الذي يتذبذب بين جميع النماذج المذكورة. وطبعاً هناك من يأمل أن يصبح مهيمناً لو أتيحت له نصف فرصة.

وقد تقلصت حلبة المهيمنين بعد سلسلة مباريات دورية أخرجت معظم الكبار ليبقى المهيمن الأكبر مع اثنين في المركز الثاني، وهم الآن في تنافس محموم. ومع اقتراب موعد المباراة النهائية، كلنا أمل ورجاء أن تنتهي بسلام نسبي بلا مبالغة في إسالة الدماء أو على الأقل بدون إفناء العالم.

وبالرغم من تأزم الوضع العالمي بين الكبار وخطورته، إلا أن كثير من الدول ما زالت تحلم بأن ترتقي إلى مستوى الهيمنة السياسية ولكنها مشوشة الفكر وتتخبط في أخذ القرارات الحكيمة والضرورية. فتبقى منهمكة بالنظر إلى نقطها البيضاء، ساهية عن احتمال أنها مستهدفة من قبل مهيمن أكبر منها، فتباغتها هجماته المبطنة لزعزعة كيانها السياسي والاقتصادي لإخضاعها أو تغير نظام حكمها. وتأتي هذه الهجمات على شكل عقوبات متكررة، واتفاقيات تجارية وعسكرية مرهقة وغير سوية، وتجاهل تام للقوانين المحلية والدولية والأعراف الدبلوماسية، وحوادث مفتعلة، وحملات إعلامية كاذبة وسلبية، وعبر إثارة الهلع من مخاطر وهمية. وإن لم يحصل المهيمن مبتغاه، تحول إلى التهديد الذي قد يتطور إلى ضربات عسكرية مدمرة. مع ذلك، تبقى كثير من هذه الدول ساهية وغافلة إلى آخر لحظة، تماماً كالغزال الذي يجمد في وسط الطريق بسبب نور السيارة المسرعة باتجاهه، فيتأخر في التحرك لإنقاذ نفسه.

فما حدث في يوغوسلافيا، والعراق، وليبيا، وسوريا، وأوكرانيا، وغزة، ولبنان، والصومال، وغرينادا، وفنزويلا، والأرجنتين، والبرازيل، وكوبا، واليونان، وإيران، وكوريا الشمالية، ودول كثيرة غيرها هو مجرد رأس جبل جليد بحري. فالآتي ما زال في الفرن وسيظهر حال نضوجه. ولكن المذهل في الأمر هو أن جميع العلامات كانت وضحة وجلية، إلا أن الضحايا فشلوا في فهم الرسالة واستمروا في التركيز على نقطهم البيضاء!

يبدو أن جنوب شرق آسيا، وبحر الصين الجنوبي، وأوروبا الشرقية السابقة، والشرق الأوسط، وأمريكا الجنوبية والوسطى، وأفريقيا جميعها مستهدف للزعزعة وربما للتفكيك إلى قطع أصغر يسهل السيطرة عليها – خصوصاً الدول التي تعكس ضعفاً اقتصادياً، أو تحتوي على شروخ في تركيبها الديمغرافي السكاني، والعرقي، والديني المذهبي، أو تحتوي تنافر وخلافات داخلية. فحتى الاتحاد الأوروبي بدأ يشعر بوطأة المهيمن الأكبر من خلال التهديد بالعقوبات الاقتصادية. وكذلك اليابان والمكسيك والهند وكندا تعرضت مؤخراً لقرصة أذن لتذكيرهم بالرقص حسب نغمة موسيقى المهيمن الأكبر. فمن بقي في العالم؟ ولا حتى بلاد الواق واق!

ولكن ماذا عن المهيمنين الكبار في المركز الثاني؟ وماذا عن المهيمنين الأصغر؟ يبدو أن جميع المهيمنين يشتركون في امتلاك نفس النوع من الجينات اللئيمة ولكنها في سبات ولا تصحى وتنمو إلا عندما يبدأ صاحبها بالاستقواء. وهذه الجينات ربما بواقي جينات الانسان الأول المتجول الذي احتاجها لزيادة لؤمه وشراسته كوسيلة للبقاء في محيطه الخطر المتعارك. ويعتقد البعض بأن هذه الجينات اللئيمة قد تختفي بالانتقاء الطبيعي أو على الأقل من خلال حكمة البشر، ولكن لا ننصح بالمراهنة ببيتك ووطنك على ذلك.

هل أفلست البشرية؟

لا ليس بالضرورة. لأن جميع المهيمنين (كباراً وصغاراً) يشتكون من نفس الضعف والتنافر الداخلي الذي يشتكي منه ضحاياهم، ولكنهم أكثر مكراً فيخفونها بواسطة وسائلهم الدعائية والإعلامية القوية. فلولا ذلك، لانفضحوا وتعثرت خطاهم التي تبدو ثابتة وقوية وتعكس ثقة كبيرة. أي أن المهيمنين الكبار عرضة لنفس الهجوم المبطن والحِيَّل التي يمارسونها على ضحاياهم.

كما أن التاريخ يؤكد بأن جميع الامبراطوريات فشلت في النهاية واندثرت، وإن عّمَّرَ بعضها لأكثر من ألف سنة. ولكن لا داعي للقلق، فعالمنا الحديث يتميز بالتكنولوجيا العالية، والاتصالات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والاقتصادات الورقية والتوريقية، مما يضمن تقصير عمر الامبراطوريات والمهيمنين.

وكذلك يمكن الاستنتاج من التاريخ أن خطط المهيمنين تحتوي على بذرة زوالهم. فإنهم يبدؤون برؤية واضحة للتوسع الجغرافي لانتزاع موارد الغير بشكل معتدل، ثم ينمو الجشع فتتزايد وتيرة التوسع وخطف الخيرات. ولكن لأن العالم محدود الرقعة والموارد سرعان ما يصطدمون بمهيمنين آخرين فيضطرون لتغير أسلوبهم وتكتيكاتهم. وبازدياد حدة وسخونة المنافسة تبدأ قراراتهم تتحول إلى المدى الأقصر فالأقصر لتصبح ارتجالية غير مدروسة ومن ثم عشوائية وعبارة عن ردات فعل. وهذه عادة العلامات الأولى لقرب زوالهم. (ويمكن مقارنة تلك الظاهرة في الامبراطوريات الرومانية/البيزنطية، والصفوية الإيرانية، والعثمانية وتخبطهم في مواجهة حروب متعددة الجبهات – بالإضافة إلى ضعف أنظمة الحكم والحوكمة وسوء الإدارة الاقتصادية).

وما العمل؟

في جميع الأحول، لا يمكننا انتظار فناء المهيمنين كما حدث مع الدينوصورات، فذلك يستغرق وقتاً طوياً جداً. ولكن يمكن مواجهتهم بخطوتين متوازيتين ومتزامنتين. الأولى ذات طابع فردي والثانية جماعية.

وتتركز المعالجة الفردية بإصلاح أوجه الضعف الهيكلي بالإضافة لإزالة التنافر والخلافات الداخلية بهدف سد الشروخ والثغرات التي تسمح بدخول الأعداء منها. وهذا يعني إعادة بناء نظم الحوكمة للقضاء على جميع الأمراض ابتداءً بالسياسات الاقتصادية الضعيفة، والفساد، وعدم المساواة، والمؤسسات التمثيلية الغير منتجة، إلخ. وبالرغم من أن تحقيق هكذا إصلاحات ليس أمراً سهلاً، إلا أنها أفضل بكثير من الاستسلام لفقدان حريتك، ومواردك، ومستقبلك.

أما بالنسبة للمعالجة الجماعية، فهذا يعني تَجَّمُع الدول الصغيرة والمتوسطة لتكوين تجمعات وتحالفات تستطيع مجابهة المهيمنين الكبار، أو على الأقل لصد تهديداتهم وعقوباتهم الاقتصادية. فمنظمة دول عدم الانحياز كانت وما زالت فكرة جيدة ولو إنها تفتقر للقدرة على التنفيذ. كما يمكن تصميم وتأسيس مجموعات جديدة مناسبة، وضم إليها دول أكبر لزيادة مناعتها – ولكن بشرط ألا يسمح لأي عضو أن يهيمن عليها.

قد يكون حطب الدومينو ركيكاً وغير مستقراً منفرداً، ولكن إذا صُفَّ في صفوف متلاصقة طولاً وعرضاً، يصعب إسقاطهم. لذلك تجنبوا أن تصبحوا كحطبة الدومينو المعزولة، لا ترون إلا نقطكم البيضاء!

Share

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.