مد وجزر السياسة

مد وجزر السياسة !

تتغير الظروف والفرص باستمرار ، ومعها تتغير المواقف السياسية.

تركيا

وقفت تركيا طوال الخمس سنوات الماضية بصلابة وحسم ضد الأسد في سوريا ، وقادت تأجيج ما يسمى بالحرب الأهلية السورية.

ثم حدثت عدة أحداث مهمة. أولها ، تمادت تركيا واسقطت طائرة حربية روسية ، فردت عليها روسيا بسلسلة من المقاطعات الاقتصادية التي شبه أركعتها ، ثم انهار وقف اطلاق النار القائم منذ سنوات مع الأكراد فاندلعت شبه حرب أهلية داخل تركيا ، ثم أوشك قطاع السياحة التركي المهم على الانهيار ، ثم تراجع الجيش السوري عن حافة الانهيار بدعم الطيران الروسي ، ثم نكث الاتحاد الأوروبي جميع وعوده لتركيا ، ثم بدأت أمريكا بالتململ من السياسة التركية واظهرت ذلك جلياً بدعمها العسكري للأكراد السوريين الطامحين لتأسيس دولتهم الكردية في الشمال السوري ، ثم أطلقت داعش أعمالها الإرهابية في تركيا ، ثم انعزلت تركيا سياسياً عن العالم كله تقريباً ، وثم جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا واشيع بأنها بترتيب أو دعم المخابرات الامريكية. وهذا الحدث الأخير كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير ، فتحولت السياسة التركية بشكل جذري.

لا شك أن تحويل سياسة دولة مائة وثمانون درجة يتطلب شجاعة كبيرة ، أو تهور. والسؤال هو: هل هذا التحول استراتيجي أم مجرد مناورات تكتيكية؟ لا شك أن الزمن سيكشف قريباً أيهما.

وبغض النظر عن نوع التغير الذي نشاهده الآن ، فقد غيرت تركيا فجأة خط سيرها الذي سارت عليه لخمس سنوات. بدأت بالاعتذار لروسيا لإسقاط طائرتها ، ثم تصالحت مع إسرائيل ، ثم بدأت بالحوار الحميم مع ايران ، ثم بدأت تنتقد وتذم أمريكا والاتحاد الأوروبي ، وثم أدهشت الجميع بتصريحها مؤخراً عن نيتها للعمل لضمان استقرار سوريا ووحدة أراضيها وتقبلها لبقاء الأسد لفترة مؤقتة انتقالية.

سوريا

لا شك أن النظام السوري فرح كثيراَ بتصريحات تركيا ، وربما رد التحية بمثلها ، وأطلق خلال اليومين الماضيين غارتين جويتين على الأكراد السوريين في منطقة الحسكة. فمن الصعب تفسير هذا العداء المفاجئ تجاه الاكراد بعد خمس سنوات من عدم التعرض لهم.

الأكراد السوريون

يبدو أن الأكراد السوريين قد حسوا بأن الجزر عندهم قد بدأ ، فأعلنوا فجأة ، بعد قتال طويل وانتصارهم في منبج ، عن عدم رغبتهم في التوسع شمالاً. أي أنهم لن يقتربوا من الحدود التركية ، على أمل تهدئة التخوفات التركية وتأجيل حلمهم لإنشاء دولتهم ليوم آخر.

أمريكا والسعودية

يبدو أن هناك مد وجزر هنا أيضاً. فقد أعلنت أمريكا فجأة قبل يومين بسحبها لطواقم العسكريين في السعودية المتخصصين في عمليات التنسيق والدعم والتخطيط للجيش السعودي في حربه في اليمن. وحيث أن الطرفان امتنعا عن تقديم التوضيحات والتفسيرات المفيدة ، فقد فتحوا الباب على مصراعيه للتفسيرات الجيدة والسيئة من قبل المحللين الغربيين والعرب الجاهزين للانقضاض.

الخلاصة

وهكذا يجري المد والجزر ، بينما نجلس نحن الجماهير المحتارة ننظر إلى تياراته ، موجة تأخذنا وأخرى تأتي بنا. نبقى آخر من يعلم ، ومع ذلك متأهبين وبفرح الأطفال لتقديم أنفسنا كعلف مدافع للصراعات التي تدار حولنا.

فنحن في الشرق الأوسط لنا سوابق وتاريخ طويل في القفز على كل شارد ووارد من شعارات ووعود وردية ، ابتداءً بعبد الناصر ، وصدام ، والقذافي ، وعرفات ، وحزب الله ، وحماس ، وبن لادن ، وداعش ، والخميني ، إلخ. فقد جاءوا جميعاً وثم ذهبوا ، ونحن في مكانك راوح بلا أي تقدم أو تطور أو حتى أمل. نبقى كشجرة الصفاف الباكي ، نغرف الدموع ، بينما تقلع الرياح الهائجة أوراقنا وتقذفها في جميع الاتجاهات.

Share

رأيان على “مد وجزر السياسة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.