تخفيض الجنيه المصري – للأفضل أم الأسوأ؟

تخفيض الجنيه المصري – للأفضل أم الأسوأ؟

statue-1696856_640

وأخيراً ، خفضت مصر الجنيه. كان ذلك متوقعاً منذ فترة ، وكلما تأخر ، كلما زاد الضرر على الاقتصاد المصري من السوق السوداء الرائجة والمربكة.

لا يمكن تخفيض عملة بلا ألم. ولكن إذا كان نهاية الألم هو التعافي ، فكما الدواء ، يجب احتسائه بشجاعة وعزم – لأن الامتناع سيؤدي إلى نتائج أسوأ بكثير.

ولكن التعافي الناجح يتطلب اتباع برنامج علاجي مناسب وحازم على المديين القصير والطويل. والفشل في تطبيق هكذا برنامج ، قد يلغي الفوائد المرجوة من تخفيض الجنيه ، ويدهور الوضع ليضاعف الضرر الذي حاول التخفيض أصلاً تحاشيه.

لا شك أن خبراء الاقتصاد المصريين على دراية كاملة عنما يجب عمله لتنشيط وتعافي الاقتصاد من نواحي الاقتصادية البحتة ، والاجتماعية ، والسياسية. بل قد اتخذوا منذ فترة خطوات عديدة في الاتجاه الصحيح وبدأوا عدة مشاريع واعدة ، وما هو إلا بعض الوقت حتى تظهر نتائجها.

ولكن المدى القصير هو المطب الذي عادةً تسقط فيه وتتعثر معظم الخطط ، وحتى الجيد منها. وتواجه مصر الآن ثلاثة مطبات اقتصادية خطرة تحتاج لمدارة فورية. أولها ضرورة توفير المواد الغذائية الضرورية ، وثانيها توفير الوقود ، وثالثها تخفيض البطالة وخلق وظائف جديدة. وهذه الثلاثة عبارة عن ألغام تتطلب قيادة حكيمة لحماية الباخرة من الارتطام بأي منها. لذلك ، يجب فوراً إيجاد حلولاً ولو مؤقتة أو جزئية لنزع فتيل الإحباط والتذمر المتنامي والذي قد يتفاقم وينزل إلى الشارع.

أول هذه المشاكل هي المواد الغذائية المدعومة ، وخصوصاً القمح والخبز ، وهذه تتطلب مبالغ كبيرة وبالعملات الصعبة. أما الثانية ، فتتعلق بالنفط الخام والمنتجات البترولية المكررة ، وهي مشابهة للمشكلة الأولى ، وكان الأمل على أنها عولجت جزئياً من خلال اتفاقية التزويد السعودي لمدة خمس سنوات بقيمة 26 مليار دولار. فكيف يمكن معالجة هاتين المشكلتين المُلِّحَتين.

من يمتلك قمحاً كثيراً؟ ونفطاً كثيراً؟

لقد نجحت روسيا ، بسبب المقاطعة الامريكية والأوروبية ، في الإسراع بتطوير وتحسين وسائل انتاجها الزراعي وهي الآن تمتلك فائضاً كبيراً من القمح. كما أن الدول العربية المنتجة للنفط (وكذلك روسيا) متخمة بالنفط الذي بالكاد تبيعه بسعر مناسب. إذن الحل الواضح ، فما ينقص هذه الأطراف للتوصل إلى اتفاق مع مصر؟ وبشروط معقولة غير تعجيزية؟ مع الملاحظة بأن الوقت الحالي غير مناسب لفتل العضلات الدبلوماسية ، ولوي الأذرع ، أو التفاوض القاسي بينما أحد الأطراف محشور في الزاوية. علينا إدراك أن تعثر مصر الآن ، سيولد ضرراً يعم الشرق الأوسط ككل – وعندئذٍ ، الجميع سيصيبه البلل.

وظائف ، وظائف ، وظائف ، وكذلك وظائف!

أما المشكلة الثالثة الفورية فهي مشكلة البطالة. وهذه مشكلة مزمنة في مصر حاولت حكومات كثيرة معالجتها ولكن لم تنجح في إيجاد حلول جذرية مستديمة.

وما زالت الدولة مستمرة ببذل الجهود لتقليص حجم البطالة ، وقد أفرزت مؤخراً نتائج إيجابية تشير إلى توظيف 218,000 مصري في الربع الثالث لسنة 2016 ، وبذلك تقلصت نسبة البطالة إلى 12.8% ، من مستواها البالغ 13.1% قبل سنة. لا شك أن هذه نتائج إيجابية ، إلا انها تتطلب الاستمرار والتكرار لعدة أرباع متتالية لتصبح اتجاه إيجابي ثابت للاقتصاد. فالأرباع الأربعة الماضية تعرضت لتقلبات صعوداً ونزولاً مما يشكك في قوة ثباتها.

أما من الناحية السلبية ، فقد بلغ عدد العاطلين عن العمل 3.5 مليون مواطن! والأسوأ من ذلك هو أن 27.4% من هؤلاء يمثلون الشباب (وهذه أعلى من نسبة الربع السابق البالغة 26%). هذا أمر مقلق خصوصاً وأن الشباب العاطلين عن العمل شكلوا شرارة “ثورة” 2011 وما تبعها من اضطرابات. وبالرغم من ذلك ، لا بد من توضيح أن نسبة الشباب العاطلين عن العمل سنة 2011 بلغت 50% ، مما يعني أن هناك مساحة ومتنفس للحركة وتدارك الوضع قبل أن يتفاقم إلى درجة الغليان.

سبل الخروج من عنق الزجاجة

الاستثمار الأجنبي: تمتلك مصر قوى عاملة كبيرة وماهرة وجذابة لكثير من المستثمرين الأجانب. ولكن ، ما زال هناك حاجة لإغراءات إضافية لجذبهم. فقانون العمل بحاجة لتعديلات لتخفيف قساوته على رب العمل. أو كبديل ، وهذا أفضل ، يمكن التفكير بسن قانون لتأسيس الشركات الأجنبية المعفاة Offshore Companies مما سيحمي ويعزل هذه الشركات من الإجراءات البيروقراطية والقرارات المربكة لعملها.

الاستثمار في الزراعة: بهدف زيادة النمو الاقتصادي ، وتقليص الفقر ، وتخفيف ازدحام واختناق المدن. وهناك دراسات عديدة حول الفوائد الاقتصادية لدعم القطاع الزراعي ومعززة بأمثلة واقعية للدول مختلفة. قد تكون فكرة “العودة إلى الريف” فكرة مناسبة لمصر وقد تولد وظائف كثيرة وتزيد الإنتاج الغذائي الكلي.

الجيش: يمكن التفكير باستيعاب جزء من العاطلين عن العمل في الجيش في وظائف غير قتالية. ويمكن تطبيق ذلك فوراً ولو بشكل مؤقت مما سيخفض حجم العاطلين عن العمل ويوفر لهم تدريب مهني جيد يكسبهم مهارات جديدة. كما يمكن للجيش استخدام هذه الكوادر للعمل في المشاريع الانشائية والمهنية الأخرى. ويمكن الاقتداء بتجربة كوريا الجنوبية الناجحة ، في السبعينات من القرن الماضي ، في استخدام المنتسبين للجيش في المشاريع المحلية والخارجية.

تقليص النمو السكاني: مهما بلغت النجاحات والإنجازات الاقتصادية ، فإن النمو السكاني السريع قادر أن يمتصها ويجعلها وكأنها لم تكن. هذه مشكلة قديمة في مصر وما زالت مستمرة ، وعلى الدولة مواجهتها لضمان تحقيق صافي في النمو الاقتصادي. فقد بلغ عدد سكان مصر 200 قبل الميلاد حوالي 3 مليون نسمة (أي قبل 2200 سنة) ، واستغرق النمو السكاني المتواضع 2160 سنة ليزداد 24 مليون ليصل سنة 1960 إلى 27 مليون نسمة. ثم انطلق النمو المتسارع فازداد عدد السكان خلال فقط 50 سنة بمقدار 57 مليون ليصل سنة 2010 إلى 84 مليون نسمة. هذا نمو هائل لا يمكن لأي اقتصاد استيعابه. وهذه مشكلة لا تنفرد مصر بها وكانت منتشرة في بعض الدول ولكن تمت معالجتها. فقد نجحت الصين والهند وتركيا بحلول سنة 2010 من تخفيض النمو السكاني في كل منها (بالتتابع) إلى: 0.49% ، 1.38% ، 1.27% ، بينما بقيت مصر عند مستوى 2% سنوياً.

وصلت مصر الآن إلى مفترق طرق رئيسي ومصيري ، ويتطلب قرارات صعبة مدعمة بإرادة وإصرار على التطبيق. فمن الصعب تصور وجود بدائل أو خيارات أسهل ، أو إمكانية التأجيل. تبقى مصر صاحبة قدرات كبيرة ، ولا نشك في قدرتها ، في النهاية ، على تخطي هذه المرحلة الحرجة والخروج من محنتها.

Share

4 آراء على “تخفيض الجنيه المصري – للأفضل أم الأسوأ؟”

  1. أجبرت مصر للحصول على قرض صندوق النقد الدولي أن تقوم بهذا الحل…
    و المسألة أعتقد فيها خطأ سياسي أدى إلى هذه المرحله

    1. ربما… ولكن هذه سياسة صندوق النقد الأزلية… وقد دمرت دول كثيرة اقتصادياً… وبنفس الوقت فإنهم يتبعون النظريات الاقتصادية المعتمدة في توصياتهم… أحياناً الاقتصاد لوحده لا يكفي ، بل يحتاج أن يردف معه أمور سياسية واجتماعية وكذلك أن تقتنع الدول المتعثرة بأهمية مبدأ “الحوكمة السليمة ” ، وهو مفهوم لم يتبلور في عقول معظم شعوب العالم…

  2. أعتقد أنه من الضروري التركيز على جانبين:
    1 الإنتاج الموجهه إلى التصدير و ذلك بهدف الحصول على النقد الأجانبي قدر الإمكان (بسبب نقصه و كذا لتميز الواردات )
    2 البحث و العمل على سبل إنتاج بدائل للواردات Important substitutes

    1. طبعاً… كلامك صحيح… وهو اقتصادياً سليم… ونفترض بأن المسؤولين الاقتصاديين المصريين يعلمون ذلك وقد وجهوا الاقتصاد نحو ذلك الهدف… وعليه ذكرنا في المقالة التالي:
      “… لا شك أن خبراء الاقتصاد المصريين على دراية كاملة عنما يجب عمله لتنشيط وتعافي الاقتصاد من نواحي الاقتصادية البحتة ، والاجتماعية ، والسياسية. بل قد اتخذوا منذ فترة خطوات عديدة في الاتجاه الصحيح وبدأوا عدة مشاريع واعدة ، وما هو إلا بعض الوقت حتى تظهر نتائجها…”
      ما حاولنا التركيز عليه وإظهاره هو الأمور المستعجلة والفورية المطلوب مواجهتها لكي تنجح عملية تخفيض الجنيه ولا تولد ردة فعل تعرقلها أو تعكسها…
      شكراً لملاحظاتك القيمة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.