إما وظيفة أو راتب!

إما وظيفة أو راتب!

partnership-526405_640

يصر المنطق العام السائد في الكويت على عدم جواز إلغاء ، أو حتى تقليص ، أي من الميزات والمكتسبات التي يتمتع بها الشعب. وهذا منطق قوي تصعب مجادلته ، إلا في وقت الأزمات الكبيرة التي ، حسب رؤية الشعب ، لم تحصل لحد الآن – وهو هنا أيضاً ، على حق. فالأزمات الكبيرة ما زالت بالنسبة له في مستقبل الغيب ، وإن كانت في قِدْرٍ على النار وقد تنضج عاجلاً قبل آجلاً.

ولأن إدارة اقتصاد البلد في أيدي الحكومة ومؤسساتها المختلفة ، فعليها تقع مسؤولية التوفيق بين الإيرادات النفطية المتقلصة والمصاريف المتزايدة التي تشمل المَيِزّات التي يتمتع بها الشعب. وهذا يضع بالحكومة في موقف لا تحسد عليه بتاتاً – فهي بين نارين كليهما صعب الإطفاء.

فلا تستطيع الحكومة (بل ربما لا تعرف كيف) أن تقلص مصاريفها وتزيد إيراداتها بدون إثارة غضب الشعب الذي يرفض تخفيض مستوى معيشته. وفي الحقيقة لا نلومها على ذلك ، لأنها لم تمر بهكذا وضع من قبل ولم تتراكم لديها الخبرات المناسبة. فقد تعودت على العطاء ، ولا تعرف كيف تأخذ. وهذه صفات حكومة تحب شعبها وترغب له كل خير ، ولكن الحب لا يصرف في البنك عندما تحتاج شراء خبزك.

أسهل طريق أمام الحكومة هو الاقتراض من الأسواق المالية لتغطية عجزها بدون عمل تغيير جوهري في نمط صرفها ، مما سيسرع في قدوم الأزمة التي ذكرنا أنها في قِدْرٍ على النار. كما قد يؤدي هذا الطريق إلى تضخيم الأزمة وتحويلها إلى كارثة مالية تعيدنا إلى صفوف الدول الفقيرة. أما أصعب طريق ، فهو تحميل الشعب عبئ تقليص العجز ، وهذا غير مضمون النتائج وسيزيد من التذمر ويغذي التفرقة في المجتمع. وحتى أوسط الطرق لن يفيد لأنه ربما سيأتي بسلبيات الطريقين السابقين بدون حسناتهما.

المشكلة الكبرى هي أن الشعب قد تعود على الاعتماد الكلي على الدولة ، ويجد صعوبة في التحرر من ذلك – خصوصاً على المدى القصير. فغالبية الموطنين إما موظفين دولة ، أو يعملون في القطاع الخاص الذي يقتات من مشاريع الدولة ، أو لا يعملون ولكن يقبضون رواتب واعانات ومنح ومساعدات منتظمة من الدولة ، فكيف يمكن إيقاف أو حتى تقليص كل ذلك؟ قد يبدو الأمر سهلاً نظرياً خصوصاً لمن يعتمدون على برنامج إكسل. ولكن عيب إكسل أنه يقبل حتى الافتراضات الخيالية غير الواقعية ، ويعطي نتيجة تبدو علمية ولكنها “خرطي” وخطأ.

ويمكن تشبيه وضعنا بوضع أسدٍ ربيته من الصغر في بيتك ، ولما كبر أرسلته إلى الغابة ليعيش بمفرده. فلا هو يجيد الصيد ليأكل ، ولا يجيد القتال ليدافع عن نفسه ضد المفترسين الآخرين. فقد ظلمته ، بالرغم من حسن نيتك وبالرغم من أنك أسعدته في شبابه.

ولكن الأسد يمتلك قوة وقدرات ذاتية كبيرة ، تحتاج فقط لتفعيل. فكيف نُفَعّلُها؟

يبدأ تفعيل قدرات شعبنا في الكويت (وربما كذلك الخليجي المشابه لنا) بتدريبه تدريجياً على الاعتماد على نفسه ، بدون سحب بساط الاستقرار والرفاه من تحته. أي تشجيعه للعمل والبحث عن لقمة عيشه بدون تجريده من الدخل الذي يضمن له حياة كريمة. ونقدم التصورات المختصرة التالية كنواة للبحث والمناقشة:

1) تجميد للميزات: وضع حد لنمو الميزات الممنوحة على شكل دعم ورواتب وبدلات. أي الاستمرار بما هو مقدم الآن ، ولكن التوقف عن زيادته. وأي تأخر في تطبيق هذا سيفاقم المشكلة بشكل اطرادي ، بسبب تركيبة السكان الشبابية.

2) تجميد عدد الموظفين: إيقاف جميع التعيينات الجديدة في القطاع العام ، فيما عدا السلك العسكري. وذلك لضمان حسن تدريب وتأهيل الجيل الجديد على كسب رزقه من عمل منتج.

3) رواتب رمزية: تخيير المتقدمين الجدد للوظائف العامة بين العمل في السلك العسكري أو البقاء في البيت وقبض راتب رمزي. وبذلك تشجيع الشباب على العمل لحسابهم في مهن شتى ، أو الانخراط في وظائف في القطاع الخاص ، مع الاحتفاظ برواتبهم الرمزية.

4) تقليص البطالة المقنعة: نقل الفائض من موظفي الدولة الحاليين إلى السلك العسكري لإعادة التدريب وكسب مهارات جديدة.

طبعاً ، هذا جزء واحد فقط من عملية تقليص حجم مصاريف الدولة ، ويتعلق ببنود الرواتب والدعومات والميزات التي يتمتع بها الشعب الآن. وتبقى خطوات إضافية تتعلق بالمصروفات الأخرى الكثيرة والكبيرة والتي ، إن قلصت ، لن يتأثر سير عمل الدولة – بل قد يتحسن. أما موضوع الإيرادات ، فهذه حكاية مختلفة تماماً ، وتتطلب رؤية وافتراضات جديدة ، وليس مجرد رفع الرسوم وسن الضرائب.

Share

6 آراء على “إما وظيفة أو راتب!”

  1. An added solution to the points above would be to implement a tax system. Taxes on income , property , Value Added, fuel consumption, etc.. But in return, accountability and responsibility on the usage of these funds generated are a must in order for everyone to participate and agree to such taxes.

    With a proper tax system, cheap independent freelancers who flood the market with cheap offerings and services wont exist. As an example the contracting industry, which is a lucrative industry that is being sabotaged by cheap foreign labor who operate without a business licence, office,etc. Therefore, they operate with extremely low operating cost and provide contracting services that a local can not compete with because of the overheads associated with running such business properly (office rent, labor salaries, etc.)

    I hope I was able to covey the message and provide a more insight on a solution to help our beloved Kuwait.
    Regards,

  2. أجدت فى تشخيص المشكله واقتراح حلولها. ويمكننى إضافة عامل آخر ينعكس هو الاخر اقتصادياً. ففى جو هذا التسيّب الأدارى العام الذى ينخر حتى فى المؤسسات الفنيه الحساسه من عدم الرقابه الحقه واختلال نظم العمل وضعف الوصف الوظيفى وتحصين الموظف ضد الفصل والعقوبه وغيرها . كل هذه مجتمعه لن تنتج الا فوضى إداريه تسهم فى تسرب جزء كبير من مواردنا الماليه

  3. A very interesting and timely article. After working for almost 20 years as a management consultant in Arab countries, I think that the main problem is simply getting people to work harder, and not just in the Kuwaiti public sector but in all Arab countries. My last assignment in Saudi Arabia was with a relatively young public agency. Its employees are literally pampered with high salaries, generous bonuses, and frequent training programs overseas. However, their work behavior did not differ significantly from other less fortunate public employees: high rates of tardiness, absenteeism, and grievances and low productivity. Although many of them were highly qualified and experienced, they relied heavily on outsourcing to do simple tasks such as preparing a job description. And as the case in all public agencies it was addicted to creation of new units and jobs. They simply could not have enough of jobs. More employees means higher status and prestige for the agency and its general manager. As a result, the agency’s expenditures rose from Saudi Riyal 57 million in 2001 to SR 800 million in 2014 without contributing much in terms of services or revenues.
    As for conscripting graduates and some public employees, this policy was practiced in Iraq under the Bath regime, Syria and Egypt. It served to delay entry into public employment but failed to provide draftees with any useful skills.

    1. Absolutely true… organizations always had, have and will continue to grow unnecessarily and aimlessly, if left without wise direction by a senior management/leadership that has vision and experience. This is evident in both the public as well as private sectors.

      Also, it is a reflection of the panic the Arab leadership feels, when overwhelmed by the rapid increase of their populations, without being able to provide them with useful and sustained employment, thus fermenting social unrest. So, they shovel them into unproductive jobs that do not teach them any useful skills. This only serves to aggravate the problem and inflate it to a size difficult to tackle by succeeding governments – a case of slyly “passing the buck, to the future”.

      What I am proposing is to:
      1) Shrink public organizations to their optimum level i.e. minimum cost maximum output. This can be easily achieved by restructuring, via “Work Studies” to analyze and redraw work flow processes.
      2) Not firing the surplus staff, but shifting them to a single entity, the non-combat military, to be retrained and given new skills. The military will itself be required to redefine its role, to deliver a better quality of skills development.
      3) Freezing all public sector appointments until a real demand materializes, and even then, filling it from the retrained surplus available at the military.
      4) Introduce more vocational training programs, which can start supplying the markets with skilled technicians who can either work for the private sector or setup shop independently.
      5) Introduce wise economic policies that not only trigger economic growth, but also, encourage the growth of small enterprises that are manned by citizens.

      A simple practical formula? Or a simplistic daydream? Or an impossibly difficult task? Call it what you wish, but what is the alternative? The youthful demographic structure of the Arab populations and their inevitable demand for jobs, is a time-bomb that has the capability of destroying our societies in a few short years.

  4. نسيت عامل مهم جداً و هو وجود قوة عمل مستورده تبلغ أكثر من مليون ونصف ممكن الإستغناء عن نصفها على الأقل و ما يصاحب ذلك من إيجاد فرص عمل مجزيه للكويتيين و تقليص مصاريف الخدمات المقدمه للعاملين المستوردين

    1. شكراً على تعليقك… ما ذكرته صحيح تماماً ، وهو آتٍ عاجلاً أم آجلاً… ولكن ما نسيته وذكرته ضمن مقالات الحلول الاقتصادية العامة للبلد في مارس 2016 وكذلك في أغسطس 2016… ويمكن الاطلاع عليها فيما يلي:

      المقالة بعنوان: حلول العجز كثيرة – هل النرويج أحدها؟
      “…المشاكل الحقيقية التي تحتاج معالجة هي مصاريف الدولة الضخمة ، بالإضافة إلى إيجاد موارد إيرادات حقيقية ومنتجة غير النفط. أما بالنسبة للعمالة الوافدة ، فهي موجودة لأداء عمل محدد واضح وبالتالي تحصل على رزقها ولقمة عيشها. إن كنا قادرين على تنفيذ هذه المهام والأعمال فمن الطبيعي عندئذٍ أن تغادر العمالة الوافدة تلقائياً…”

      المقالة بعنوان: حلول لأزمة تقلص إيرادات النفط – هيكل الحل (1 من 2)
      “… 3) تقليص حجم العمالة الوافدة: خصوصاً غير الماهرة وغير عالية التخصص. وهذا يحدث من خلال:
      أ‌) المكننة وإحلال المكائن والمعدات والنظم الآلية في أعمال مثل المناولة ، وتنظيف الطرق ، والبناء ، مواقف السيارات…إلخ.
      ب‌) إحلال المواطنين في الوظائف مثل قيادة وتشغيل الشاحنات والمعدات المختلفة ، وفي وظائف ميكانيكية وكهربائية والكترونية وغيرها حتى ولو كانت رواتبهم أضعاف رواتب الوافدين ، فغالبيتها لا تتسرب خارج الدورة.
      ت‌) إحلال المواطنين في جميع الوظائف الكتابية والإدارية البسيطة والمتوسطة. وكذلك العليا إذا توفرت الكفاءة والقدرات.
      ث‌) إحلال المواطنين في جميع الوظائف المبيعات والدكاكين. فقد جرت العادة في جميع بلدان العالم بأن صاحب الدكان أو المحل أو حتى المطعم هو الذي يعمل فيه وإن لزم ساعدته عائلته المباشرة في التشغيل. أما لدينا فقد تحول الأمر إلى توظيف وافدين ذوي مهارات محدودة.
      ج‌) نظرية تشجيع المشروعات الصغيرة مبنية على أساس أنها أكبر موظف لقوى العمل في المجتمع وبالتالي تنشط الاقتصاد. ولكن الأمر لدينا عكس ذلك ، إذ يبدو أن المشروعات الصغيرة تتجه نحو تأسيس المشروع ومنحه قروض ميسرة ودعمه من جميع النواحي ولكنه ينتهي بتوظيف كم جديد وكبير من العمالة الوافدة! يجب تدارك الأمر قبل التمادي بهذا الأسلوب الخاطئ والمضر…”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.