العمالة الوافدة والتركيبة السكانية في الكويت

العمالة الوافدة والتركيبة السكانية في الكويت

الهستيريا والهلع نادراً ما يؤديان لحلول سليمة ودائمة. خصوصاً عندما تكون المشكلة قديمة وكبيرة ومتأصلة. وعندما تكون واضحة كالفيل الجالس معنا في الغرفة، ولكن نرفض الاعتراف بوجوده، إما خوفاً منه أو من باب اللامبالاة أو لأننا مستفيدين منه. وثم نصحى فجأة إلى الحقيقة أن الفيل قد نمى وأصبح أكبر من حجم الباب ليخرج من الغرفة.

لا شك أن العمالة الوافدة قد أفادت البلد لعقود طويلة، وما زالت تفعل ذلك. ولا شك أن ما حصلت عليه من أموال وأتعاب مقابل جهدها كان حلالاً بلالاً. ولا شك أن وجودها ربما شجعنا على الكسل والاتكالية، وعلى الجلوس في الظل بينما فلوسنا تشتغل في الشمس. ولكن كذلك، لا شك أنه لا يمكن خلقياً أو سياسياً أو حتى عملياً، القاء العمالة الوافدة في العراء بين ليلة وضحاها. فما الحل؟

المشكلة واضحة: فأولاً، هناك عمالة وافدة ضخمة فاقت (مع أهلها) عدد المواطنين عدة مرات، ومعظمها في القطاع الخاص. وثانياً، عمالة وطنية متعلمة ومؤهلة ترفض أن تحل محل الوافدة في القطاع الخاص، بسبب طبيعة العمل وقلة عائده. وثالثاً، سهولة توظف العمالة الوطنية في القطاع الحكومي، وبرواتب وميزات تفوق ما يقدمه القطاع الخاص، مما أدى إلى تفاقم حجم الكادر الحكومي واستحوذ على غالبية ميزانية الدولة، بينما تدنت انتاجيته كَمّاً ونوعاً.

ولأن الكويت ما زالت تنمو، فإن الطلب على العمالة يتنامى في القطاع الخاص. ولكن يتلكأ المواطنون في تلبيته، فيضطر القطاع الخاص إلى جلب عمالة وافدة إضافية. أي، كما ذكر الزميل محمد رمضان، العمالة الوافدة موجودة وتتزايد لأن هناك طلب عليها وتجد عملاً بسهولة.

الحلول غير الجيدة:

1) إجلاء العمالة الوافدة: هذا غير عملي، بل مستحيل. فنتائجه السلبية كثيرة، وأهمها:

أ‌) أخلاقية: الإجلاء الفجائي أو الجبري يسبب مأساة إنسانية لناس قدموا بناءً على طلب البلد، وتكلفوا كثيراً للوصول إليه، وثم قدموا زهرة شبابهم، ولما هرموا القوا في العراء؟! تماماً مثل الزوجة التي كانت مدللة وثم كبرت وعَجَّزَت، فطرحها زوجها المتصابِ واستبدلها بزوجة شابة، ففقدت العز والأمان لا لسبب أو ذنبٍ اقترفته.

ب‌) سياسية: من السذاجة تخيل غياب ردة فعل الدول التي ستضرر عمالتها. فحالياً نرى الدنيا قد انقلبت عندنا لمجرد خروج مظاهرة أو مظاهرتين صغيرتين غير رسمية ومن قلة مأجورة في العراق حول موضوع محسوم عالمياً (خور عبد الله). فما بالكم لو تحركت دول كبيرة ذات وزن بشكل رسمي ضد إجراء جائر وضار لمصالحها؟

ت‌) اقتصادية: قد يخفف تقليص العمالة الوافدة الأموال المحولة للخارج، وقد يخفف مصاريف خدمات الدولة عليها. ولكن الحقيقة هي أن هذه العمالة تقدم أعمالاً بعضها جوهري، فلا يمكن الاستعاضة عنها في المدى القصير. كما أن غيابها سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار جميع الخدمات التي يتمتع البلد بها. كيف سنشعر إذا أصبحت كلفة إصلاح عطل كهربائي بسيط ثلاثون ديناراً بدل الثلاثة دنانير ندفعها حالياً لكهربائي الجمعية؟

ث‌) تُدَمِّرُ القطاع الخاص: لأن عشوائية أو ارتجالية الإجلاء ستصيب شركات وقطاعات وتستثني أخرى، مما سيرفع تكلفة بعضها ويجعلها غير منافسة مقارنة مع زميلاتها. قد يؤدي هذا إلى ارباك السوق وإعادة توزيع غير عادلة للقوة والثروة فيه.

2) فرض عليهم رسوم نافرة: القاعدة الدارجة تشير إلى أن أي زيادة في المصاريف، تترجم فوراً إلى زيادة بنسبة أكبر في سعر الخدمات أو السلع المباعة، وربما تَقَلّصٌ في جودتها. هذا ولم نتطرق للضرر المعنوي والنفسي وردة الفعل المحتملة.

الحلول الممكنة:

1) الحلول المتعلقة بالعمالة الوافدة: تتم هذه بهدوء وتأني على النحو التالي:

ب‌) تصنيف العمالة الوافدة: إلى هاشمية جداً، هامشية، شبه ماهرة، ماهرة، ماهرة جداً. وذلك بهدف تحديد مدى إمكانية إحلال العمالة وطنية، وتقدير تكلفة الاحلال، والفترة زمنية المطلوبة. وهذا يشمل تحليل وتصنيف المهن والقطاعات التي تعمل فيها العمالة الوافدة.

ت‌) دراسة إمكانية الميكنة: تحليل الوظائف التي يمكن إحلال الميكنة الأتوماتيكية أو اليدوية محلها، وتحديد كلفتها والمدة الزمنية التقديرية لإتمامها.

ث‌) برامج تقليص العمالة الوافدة: بعد إتمام الخطوتين السابقتين، يمكن طرح عدة برامج لتقليص العمالة الوافدة، ومنها:

• البدء من الأسفل: يبدأ التقليص بالعمالة الهامشية وشبه الماهرة واستبدالها بالميكنة. ومن ثم بالتتابع، على فترة خمسة إلى عشرة سنوات، يتم تقليص بقية التصنيفات.

• المهن غير التخصصية: وبشكل موازي، يبدأ تقليص المهن ذات الطابع الخدماتي بإحلال المواطنين الشباب فيها. ويتم ذلك بفرض رسوم باهظة وتصاعدية على رب العمل، لا على العمالة الوافدة.

• التعويض: في البداية، ولتشجيع العمالة الوافدة على المغادرة برضاها، يمكن تقديم لها ما يسمى في الغرب “المصافحة الذهبية”، أي تقديم للمغادرين تعويضاً مالياً مجزياً. فيمكن التفكير بتقديم للعامل ما يعادل خمسة أضعاف تكلفته السنوية على الدولة. على أن ينخفض هذا التعويض بمعدل 20% لكل سنة بعد السنة الأولى من تقديم العرض.

2) الحلول المتعلقة بالمواطنين: لا يمكن تقليص العمالة الوافدة إلا بتضحية من المواطنين وتنازلهم عن بعض مكتسباتهم وميزاتهم. وهذا يعني:

أ‌) توظيف الشباب في القطاع الخاص: إيقاف فوري للتعينات في الوظائف الحكومية.

ب‌) تقليص حجم الكادر الحكومي: من خلال تحسين أداء وإنتاجية القطاع، وتحويل فائض الموظفين إلى جهات أخرى، دون الإضرار برواتبهم.

ت‌) تشجيع أصحاب الدكاكين والمحلات على العمل: في محلاتهم، بدل تعيين مئات الاف البائعين والكتبة. فمهوم المشاريع الصغيرة هو أن يعمل صاحب العمل في عمله. ويتم ذلك بإيقاف اذونات العمل لهم، إلا بشروط.

ث‌) إعادة تدريب ربات البيوت: على استخدام معداتهن المنزلية (الذكية والمكلفة) بشكل صحيح. فقد طورها الغرب لأن ليس لديه خدم، فمَكَّنَ ربة المنزل (وزوجها) من انجاز معظم الأعمال المنزلية بسهولة خلال دقائق لا ساعات.

3) الحلول المتعلقة بالدولة: لا يمكن انجاز أي حلول بدون مباركة، ومشاركة، وتمويل الدولة.

لا شك أن المشكلة كبيرة وقديمة، وحلها سيكون مكلفاً مالياً على الدولة، وعبئاً مزعجاً على المواطنين. فهل الجميع مستعد للتضحية؟ مع العلم بأن أي حل من الحلول سيرفع غلاء المعيشة، ويرغم الجيل الحالي من المواطنين على انجاز أعمال لم يتعودوا عليها، بل لم يحلموا بها. ولكن بالمقابل، سيولد مجتمعاً جديداً يعتمد على نفسه، وقادراً على مواجهة المستقبل بثقة أكبر.

Share

3 آراء على “العمالة الوافدة والتركيبة السكانية في الكويت”

  1. I do not see an issue with Kuwaitis doing jobs that they are not accustomed to as long as they get a compensation that would attract them. Introducing minimum wage (hourly wage), implementing international standards with regards to work ethics, labor laws, proper certification and specialization in the field as a start to organize the labor market , should attract locals to work in sectors that they aren’t accustomed to such as plumbing, painting, construction, mechanics etc. When you pay KD3 for an electrical from the co-op you will get a KD3 quality service. Raising the costs would definitely require better service, in which in return will enhance our quality of living and standards.
    True that such measures would increase the cost of getting work done,however it should assist in solving part of the problem gradually, issues of relying on foreigners on everything and from economic prospectus increase the money flow within the economy ( instead of being rerouted to expat nations) and many more benefits such as security, traffic, and much more critical issues.
    The dilemma is big, but again Rome was not built in a day.

    1. Totally agree with your assessment… however, the key word is: : “Time”. It takes time to realize the metamorphosis of the labor structure… that is why, I proposed solution ideas in the article that may lead to the replacement we all seek.

  2. حلول منطقيه. بعض هذه العماله لترضيات سياسيه … الحل أن نستثمر بهذه الدول ونشغل مواطنيهم عندهم و نشاركهم في الريع.
    معظم مشاريعنا إنشائيه، ونحن بحاجه إلى العماله التي تعمل بيدها من بَنّاء و صباغ و حداد … الخ حاليا الشركات تعتمد على هؤلاء لأن تكلفتهم بسيطه ومن غيرهم سيخسروا المشاريع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.