مرض السكري وخطة الإصلاح

مرض السكري وخطة الإصلاح

تعثر جاسم في الشارع فسقط وشج رأسه. أسرع المارة إليه وضمدوا جراحه، ثم تفرقوا كل في دربه، فرحين بأنهم قد عالجوا مشكلة المسكين. ولكن علاجهم كان سطحياً وآنيًّ ومؤقتاً، ويخاطب الظاهر لا الباطن أو الأساس والسبب. كذلك خطة الإصلاح الحالية، تخاطب الجانب الظاهر والآني والمؤقت. فهي تقدم علاجات محاسبية لعجز الميزانية.

ولأن هذه لم تكن أول مرة يتعثر فيها جاسم، فقد نصحه أهله بزيارة طبيب لفحصه ودراسة هذه الظاهرة. وفعلاً خضع لفحوصات مختبرية وطبية بينت أنه مصاب بداء السكري ويحتاج لعلاج ودواء تم وصفه له. لا نجد في الخطة فحص مماثل للتعرف على أساس المشكلة وتحليلها ووصف العلاج المناسب لها. لم نطلع على تحليل وافي وعميق مدعم بالأرقام لأصل وتفاصيل المشكلة، ولم يتم تقديم خيارات ممكنة للعلاج مع تبيان ميزات كل خيار. أي لم تخضع لتحليل مالي وافي يزيل غيوم الشك في جديتها وأنها ليست مجرد حفلة تجارب.

ثم زار جاسم ممرضة الطبيب التي علمته كيفية أخذ الدواء وحجم الجرعات، ودربته على تجهيز إبرة الانسولين وكيفية غزها في بطنه. وتعتبر هذه الخطوات التنفيذية الإدارية الضرورية لنجاح برنامج العلاج. ولم تلتفت خطة الإصلاح لهذا الجانب، فلم تدرس قدرة الجهاز الإداري والتنفيذي في الدولة على تطبيق الإصلاحات والتوصيات المقترحة، وبالتالي قد تضيع فائدة العلاج بسبب سوء التطبيق، فيتفاقم المرض.

ثم عاد جاسم إلى الطبيب الذي استدعى أخصائي تغذية وشرح له ضرورة تغيير نمط حياته، وحدد له الأغذية التي يجب أن يتجنبها، وطريقة أكله، والرياضة التي عليه ممارستها، وكل ذلك حتى يضمن فعالية الدواء. كما حذره بجدية صارمة من أن إهمال تغيير نمط حياته سيؤدي تدريجياً إلى ضعف فعالية الدواء، فتزداد شدة المرض حتى يضعف قلبه ويرتفع ضغطه، وثم يصيب الكلاوي ويدمرها، ويضرب عيونه وبصره، وأخيراً يبدأ بفقدان أطرافه للغرغرينا إلى أن يموت. ويمكن ترجمة هذه الخطوة إلى التحليل والحلول الاقتصادية، المفقودة في الخطة، والتي تحاول تغيير أسلوب حركة وعمل الاقتصاد حتى تضمن له طول العمر، أو بالمفهوم الدارج اليوم، الاستدامة.

وقبل أن يغادر جاسم العيادة، وضع الطبيب له برنامج مراجعة شهري لإجراء الفحوص الدورية للتأكد من فعالية العلاج، وإن لزم عمل التعديلات عليه. كذلك افتقرت الخطة لبرنامج زمني ولمؤشرات قياس نجح أو فشل والتي يمكن من خلالها تعديل مسار الخطة إلى الأحسن.

طبعاً، بعد كل هذا الجهد، قد تصدم جاسم سيارة في الشارع، ولكن هذا حادث خارجي طارئ. وبالرغم من أن يمكن معالجة جاسم في حينه حسب القدرات والإمكانيات المتوفرة عندئذٍ، ولكن من الأفضل وضع التصورات المحتملة مسبقاً، والتجهيز لها بخطط ب ، ج ، د ، إلخ، حتى لا نفاجئ بالطارئ وتضيع الفرص. وهنا أيضاً، لا نرى في الخطة أي خطط بديلة احتياطية.

يقال العجلة من الشيطان… والحكمة في التريث إلى إتمام الدراسة الوافية.

Share

رأي واحد على “مرض السكري وخطة الإصلاح”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.