معضلة الاقتصاد الخليجي

إذا أردت شراء تلفزيون، وبلدك لا يُصَّنِعُ تلفزيونات، فعليك أولاً إيجاد عملة البلد المُصَّنِعُ حتى تسدد بها قيمة مشتراك. فالبائع يريد عملته التي بها صرف على تكاليف التصنيع ومن أرباحها سيصرف على معيشته. والطريقة الوحيدة التي تستطيع الحصول على عملته هي من خلال بيعك لبلد البائع سلعاً يحتاجها أهله، فيدفعوا لك بعملتهم لتتكون لدى البنك الذي تتعامل معه مخزوناً من هذه العملة. (هذه صورة توضيحية مختصرة ومجردة من تفاصيل كثيرة).

مأزق الاعتماد على مورد واحد للدخل

تشترك الاقتصادات الخليجية مع عشرات دول العالم الثالث بكونها أحادية المورد. أي تعتمد على مصدر واحد أو رئيسي للعملات الصعبة. فهي تصدر سلعة واحدة، مثل البترول أو المعادن أو بعض السلع الزراعية التخصصية مثل البن، فتبقى معرضة لهزات اقتصادية عندما يتعثر انتاجها أو تنخفض أسعاره. وهناك أطنان من الدراسات الاقتصادية وتقارير البنك الدولي وصندوق النقد حول هذه المشكلة التي تُدَهْوِرُ وتُفْقِرُ بلاد كثيرة.

وقد قضت الدول الخليجية أكثر من نصف قرن وهي تصدر النفط، وبالمقابل تستورد جميع احتياجاتها لبناء وتنمية مجتمعاتها. ومع ارتفاع أسعار النفط المتواتر بعد 1973 ، فاقت قيمة صادراتها قيمة وارداتها بشكل كبير مما زاد وفاقم الصرف ليشمل ما هو غير أساسي وضروري. مع ذلك تكونت فوائض مالية ضخمة حُوِّلَت إلى احتياطيات واستثمرت على أمل خلق مورداً جديدً مرادفاً للنفط، أو على الأقل كذخرٍ لأي يوم أسود قد تأتي به الأقدار.

مأزق دول الخليج

المشكلة الرئيسية، (مع التركيز على الكويت) هي أن هذه الدول سهت عن، أو أجلت، تنمية القدرات الإنتاجية لمجتمعاتها، مما زاد حدة اعتمادها على موردها الوحيد. وتفاقم الأمر مع استمرار نمو حجم الصرف والاستيراد بشكل متسارع ومتماشٍ مع نمو إيرادات النفط.

ثم جاء أول يوم أسود، فاكتشفت هذه الدول أن وضعها المالي هش، فارتبكت. فبهبوط أسعار النفط المفاجئ في 2014 ، تبخرت أحلام فوائض الميزانيات، ومعه أمل نمو الاحتياطيات إلى ما لا نهاية، فبدأت البحث وبهلع عن مخارج… قبل أن تغرق السفينة! ولكن بعد ثلاثة سنوات على الأزمة لا نرى حلولاً أو حتى رؤية كاملة مقنعة، أو خطط واضحة مدعمة بالأرقام والبرامج الزمنية. يبدو أن ضخامة المشكلة قد ولدت ارتباكاً لدى صانعي القرارات الاقتصادية.

الحلول المقترحة حالياً

مالت معظم محاولات الحلول إلى المعالجة المحاسبية الدفترية، لا الاقتصادية أو الشاملة، فبدت أقرب إلى ردة فعل منها إلى استراتيجية كاملة متكاملة. فرَدَّات الفعل، بطبيعتها قصيرة المدى، ونادراً ما تكون صائبة للمدى الأطول. فأول ما لجأت إليه الحكومات هو البحث عن أساليب زيادة الإيرادات وتقليص المصروفات، بدون الالتفات المتأني إلى أي إيرادات وأي مصروفات يجب استهدافها، ومدى إيجابيتها وسلبيتها على الاقتصاد والمجتمع، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف طويلة الأمد. فاصطدمت فوراً بحاجز رفض شعبي، خصوصاً في الكويت حيث القرار الأخير بيد البرلمان.

أنست الحكومات أن غالبية الإيرادات هي من النفط، وأن غالبية المصاريف هي رواتب ومشاريع عامة يعيش عليها الجميع في البلد؟ فسن فجائي للضرائب، وتخصيص القطاعات العامة، ورفع الرسوم، وإيقاف الدعم الأسري ليست حلولاً اقتصادية، وإنما حلولاً محاسبية، وضررها أكبر من فائدتها، خصوصاً على الشعب وعلى الاقتصاد. أما فوائدها، فغالبيتها قصيرة المدى وتجميلية لدفاتر المحاسبة والميزانية.

لماذا هذا الرأي السلبي؟

1) لأن ضريبة القيمة المضافة ليست عادلة. فهي متساوية على الجميع وتأكل نسبة أكبر من دخل الطبقة الوسطى والفقيرة. وبالرغم من تسويقها على أنها مجرد 5% ، إلا أن جميع ضرائب القيمة المضافة في العالم قد سوقت في بدايتها على أساس 3% إلى 5% ، وثم ارتفعت لتصل في بعض الدول 30% !

2) أثر الضرائب تضخمي يرفع التكاليف والأسعار الاستهلاكية، مما يزيد من ضيق حال أصحاب الدخل المتوسط والمنخفض، خصوصاً بتزامنها مع إلغاء أو تقليص الدعم وزيادة الرسوم. كما أنها سلبية لأن غالبية الشعب موظفين ويحتاجون إلى وقت للتحول إلى، والتأقلم مع، فكرة العمل في القطاع الخاص خارج رعاية الدولة. والأهم، الضرائب لا تحفز نمو اقتصاد متعثر، فما بالكم باقتصاد جديد ناشئ.

3) كل الحلول المطروحة انكماشية للاقتصاد، لا تنشيطية. ومع ذلك يستمر المخططون في توقع نمو الاقتصاد والقطاع الخاص ليمتص فائض موظفي الدولة، وهو أهم هدف يراهنون عليه.

4) تُوِّجَت الحكومات حلولها بمشروع للتخلص من مشكلتها وإلقائها في حضن الآخرين، وغسل يديها من المسؤولية. فروجت إلى فكرة تخصيص الخدمات العامة وبيعها لمستثمرين محليين وأجانب. وذلك بالرغم من مئات الدراسات العالمية التي تشير إلى الأضرار المحتملة من التخصيص غير المدروس، خصوصاً في دول النامية (وحتى المتطورة)، وأثره في زيادة الأسعار والأعباء على الشعب بدون أي ضمانات لنجاحه.

الحلول البديلة

ربما من الأجدى التريث وإعادة تقييم خط سيرنا. فالمطلوب هو خطة واقعية لتحويل الاقتصاد تدريجياً من اقتصاد أبوي ريعي إلى اقتصاد منتج. وبالمنتج نعني:

1) اقتصاد ينتج سلعاً وخدمات يمكن تصديرها لتوليد إيرادات خارجية وعملات أجنبية.

2) اقتصاد وينتج سلعاً وخدمات تحل محل بعض ما نستورده، بهدف تقليص ما ندفعه للخارج.

3) تقليص حجم الاستيراد الحالي من خلال فرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع غير الضرورية. ولهذا فائدة إضافية وهي زيادة إيرادات الدولة.

4) التركيز على إعادة تدريب وتأهيل موظفي الدولة للعمل خارج القطاع العام.

5) تأجيل فرض الضرائب، ورفع الرسوم، وإلغاء الدعم الأسري. على الأقل حتى يبدأ القطاع غير النفطي بالنمو المنتظم.

6) الاتجاه إلى إدارة مؤسسات وخدمات الدولة حسب المفاهيم التجارية وبإدارات مستقلة Commercialization of Public Services بدل التخصيص بالبيع المباشر. كما يمكن الاتجاه، بالنسبة للمشاريع والكبيرة والتي تحتاج تمويل، نحو مفهوم القطاع المشترك PPP الذي أثبت نجاحه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

أما بالنسبة لمن ما زال يعتقد بالحلول السحرية والسريعة، فهناك جانب مزعج لهذه الحلول البديلة، فتحقيقها يتطلب وقتاً طويلاً (بين 5 و 10 سنوات وربما أكثر) وذلك بشرط تطبيقها بشكل جاد وملتزم. فعلى الحكومات توقع استمرار العجز إلى أن تظهر النتائج الإيجابية المطلوبة. فمن المهم التصالح مع النفس بشأن العجز، فهو ليس عيباً بحد ذاته، بل يمكن اعتباره استثماراً إذا وجِّهَت الأموال المصروفة في تنمية وتنشيط الاقتصاد وتنويعه. أما العيب هو استمرار العجز بدون تحقيق التغييرات التنموية فتزحف الديون لتصل الاحتياطيات التي هي آخر رصاصة في ذخيرتنا.

لا ننكر أن هناك جانب محاسبي للحل، ولكن دوره محصور في تقنين بالمصاريف العامة مثل العسكرية، والمشاريع الاستعراضية، وغير المنتجة أو بلا عائد وجدوى. كما أن له دور في متابعة تحسين عوائد استثمارات الاحتياطيات التي ما زالت غير واضحة.

لا أحد يملك الحل الكامل أو الصائب تماماً، ولكن جميع الحلول الجيدة تبدأ برؤية واضحة، وأهداف مقنعة، وبرامج زمنية واقعية، بالإضافة لسعة صدر لسماع الرأي الآخر والنقد البناء.

Share

3 آراء على “معضلة الاقتصاد الخليجي”

  1. الراعي وجرة الزيت، حكاية قصيرة للصغار، قرأتها في كتاب القراءة في المرحلة الابتدائية، أي قبل أكثر من نصف قرن، في زمن ما قبل فورة النفط الأولى، علق الراعي أول جرة زيت في خيمته، وجلس تحتها يحلم، وأحلام اليقظة رخيصة، لا تستهلك سوى القليل من الوقت والجهد الدماغي، بالحلم تكاثرت نعاجه، وازدادت جرات زيته، وبثمنها تحولت خيمته إلى قصر منيف، وصار له أجراء ينفذون أوامره، ولا يكتمل حلم الراعي من دون ولد واحد أو أكثر، يرثون ثروته ويتباهى بهم ويقدمون له فروض الطاعة والولاء والاحترام، وإن لم يفعلوا ضربهم بعصاه هكذا، وراح يلوح بها فوق رأسه، فأصابت الجرة فانكسرت وساح منها الزيت وتبددت أحلام الراعي.

    التشابه بين الحكاية والواقع العربي مثير للانتباه، جرة الزيت هي براميل النفط، وبالفعل فقد حصلنا على جرات كثيرة من زيت الأرض لا الخراف، ولكن من دون جهد كبير، وجلسنا نحلم، وشهد كاتب أجنبي بأن للعرب مخيلة عظيمة لكنهم لا يحسنون تنفيذ أحلامهم، والقصور المنيفة مشيدة في معظم بلداننا، لكن الخيم وبيوت الطين لم تندثر، وما أكثر الموظفين والأجراء الضروريين وللتباهي وكذلك الأبناء والبنات، فنحن من أكثر الشعوب توظيفاً وإنجاباً، ولكن الكثير من الأبناء اليوم متذمرون وبعضهم متمردون، وعصا واحدة لا تكفي، لذا نتبارى في اقتناء الأسلحة المتنوعة، واحترقت جرات الزيت بفعل استعمالنا العصا في خلافاتنا.

    كان من المفترض أن نتعلم من حكاية الراعي وجرة الزيت لكننا وللأسف كررنا نفس أخطاء الراعي. لعل أفضل قياس لاستفادة الدول العربية النفطية من هذا المورد الثمين هو مدى نجاحها في تقليل اعتمادها عليه كمصدر لتمويل ميزانياتها التشغيلية والتنموية، وتدل الأرقام على استمرار اتكال هذه الدول على إيرادات النفط وبنسب مرتفعة: السعودية (92%)، العراق (85 %)، الكويت (80 %)، ليبيا (80 %)، الجزائر والبحرين وقطر (70 %)، الإمارات (40 %).

    قيل فلما وضع الخليفة عمر بن الخطاب الديوان (ديوان العطاء) قال أبو سفيان بن حرب‏:‏ أديوان مثل ديوان بني الأصفر (الروم) إنك إن فرضت للناس اتكلوا على الديوان وتركوا التجارة‏.‏

    يصف البعض النفط بأنه نقمة على العرب، إذ وفر لهم مصدراً ميسراً للدخل والثروة، وصرفهم عن النشاط والابتكار، وهو وصف خاطيء لأنه يشبه هذه الأمة بأطفال أفسدهم دلال الوالدين الزائد، والحقيقة أن النفط نعمة كبرى فشل العرب في الاستفادة منها، وتكمن جذور هذا الفشل في الشخصية والمجتمع، فالمطلوب أولاً تغيير ما في النفس والمجتمع من تعصب قبلي وفئوي وفردية سلبية وعدوانية نشطة وقلة استعداد للتعاون والهوس بالرئاسة والمظاهر، ومع الأسف فإن كل حكايات كتب القراءة المدرسية لم تحدث التغيير المطلوب في فكرنا وسلوكنا.

  2. كلام جميل لكن ينقصه كيفية التعامل مع المواطن والبرلمان خلال فترة تطبيق الحلول. و ليس واضح كيفية الوصول بالاقتصاد الي انتاج سلع يمكن تصديرها بأسعار منافسة، وكذلك المراحل والقرارات المطلوب اتخاذها.
    تحياتي

    1. شكراً للتعليق… فمن خلال الحوار تنقشع رؤى جديدة تمكننا من اكتشاف البدائل واختيار الأفضل عملياً… فلا يوجد حلاً مثالياً واحداً مضموناً، ولكن هناك حلولاً كثيرة غير مناسبة…

      أهداف الرئيسية للمقالة هي لفت الانتباه إلى:
      1) بالرغم مضي ثلاث سنوات على بداية أزمة هبوط أسعار النفط، ما زالت الحلول الواضحة والمتكاملة مفقودة.
      2) الرؤية المعلنة والأهداف المتداولة لا تبشر بحلول جوهرية لخلق اقتصد مستدام ومستقل عن القطاع العام.
      3) يتطلب التحول من اقتصاد ريعي (من بين ما يتطلب) إلى القدرة على تنويع الموارد. كيف؟ هذا موضوع طويل وشيق، ويعتمد على قدرات الاقتصاد والمجتمع “المستقبلية”.

      تسويق المشروع:
      بعد الاتفاق على رؤية واقعية وأهداف مقنعة وقادرة (ولو نظرياً) على إيصالنا إلى برّ الأمان، يأتي دور الإعلام الحكومي وكذلك مؤسسات المجتمع المدني لشرح وتسويق البرنامج على الشعب والبرلمان. بدون ذلك يبقى الموضوع توقعات وتكهنات واعتقادات وتجارب وتتطلب فرمانات لتطبيقها، مما قد يكون وصفة لفشلها في النهاية.

      إيجاد السلع والخدمات المنافسة للتصدير:
      1) لا شك أن السلع والخدمات التصديرية محدودة في البداية، وتحتاج إلى وقت للتنمية. ولكن أول ما يخطر على البال صناعة البتروكيماوية، والخدمات مثل شركة أجيليتي بانتشارها العالمي، ومكاتب الاستشارات الهندسية وشركات المقاولات التي تنفذ مشاريع خارج الكويت.
      2) ثم هناك المنتجات المحلية التي يمكن أن تحل محل بعض ما نستورده. وأول ما يخطر على البال ما يقارب من 1000 منشأة صناعية مسجلة في هيئة الصناعة. فمع بعض التوجيه وربما الدعم، يمكن لبعضها انتاج بعض ما يحتاجه السوق.
      3) كذلك بالنسبة للخدمات، فبتشجيع المواطنين على العمل الحرفي المباشر، يمكن احلالهم محل العمالة المهنية الوافدة، ولو باعوا خدماتهم بأسعار أعلى واستخدموا تقنيات حديثة متطورة.
      4) الاستثمار المباشر وتملك المشاريع خارج البلد بمثابة تصدير من ناحية العائد والأرباح وكذلك أثرها الإيجابي على ميزان المدفوعات. كذلك التركيز على تعيين المواطنين في المشاريع الخارجية، يعتبر تصدير بشري، وهو تاريخياً قريب على قلوب أهل الكويت الذين عملوا، قبل النفط، في الهند، والباكستان، والنيبار، وأفريقيا، وعدن والبصرة…إلخ.

      مراحل التطبيق:
      تبدأ بالتوصل إلى رؤية وأهداف واقعية وصحيحة… والباقي يتبع ويتتالى بسهولة… طبعاً لا يمكن لمقالة قصيرة أن تدخل في تفاصيل تتطلب الاف الساعات من البحث والدراسة… ولكن خط السير المطلوب واضح… ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة أولى صحيحة…

      للمزيد حول هذا الموضوع، يرجى مراجعة مقالاتنا السابقة التالية:

      حلول لأزمة تقلص إيرادات النفط – هيكل الحل – 1 من 2

      خطة الاصلاح الاقتصاد الكويتي (1 من 3)

      اصلاح الاقتصاد الكويتي (2 من 3)

      الاصلاح الاقتصادي الكويتي (3 من 3)

      انضم للجيش وتعلّم مهنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.