الاقتصاد والسعادة

الاقتصاد والسعادة

smiley-1172670_640

طرح ملك بهوتان سنة 1972 فكرة قياس تطور اقتصاد بلده على أساس “السعادة الوطنية الاجمالية” Gross National Happiness ، لا على أساس “الناتج الإجمالي المحلي” كما هو متعارف عليه في علم الاقتصاد.

وبهوتان دولة بالقرب من جبال الهملايا محصورة بين الصين والهند وبنغلاديش. عدد سكانها حوالي المليون ، ومساحتها حوالي 14,800 كيلومتر مربع. دخلها القومي 2.2 مليار دولار ومعدل دخل الفرد 2830 دولار. أي أنها مشابهة لمعظم دول الخليج الصغيرة ولكنها فقيرة.

ولكن ما ينقصها من ثراء تعوضه بالسعادة. فإن ترتيبيها الحالي في مؤشر السعادة هو الثامن في العالم (بين 178 دولة). وهي الدولة الوحيدة الفقيرة بين أول عشرين دولة في المؤشر.

وقفت عنجهية وكبرياء العالم المتقدم والغني حاجزاً لأخذ اقتراح الملك بجدية ، فقد تغلبت لغة المادة والكاش على جميع مفاهيم الإنسانية. إلا أنه استمر برؤيته وطبقها في بلده وأدخلها ضمن مكونات الخطط الخمسية للتنمية.

ومع الوقت ، ومع المآسي السياسية والاقتصادية التي مر بها العالم منذ 1972 ، بدأ لمفكرون والاقتصاديون وعلماء الاجتماع بإعادة تقييم نظريته. وبدأت تدريجياً تدخل في نظريات علم التنمية والإدارة. وما أطلت سنة 2005 حتى تبنى معهد الإدارة الدولية نموذج من هذه النظرية ، ولحقته جهات علمية كثيرة إلى أن اعتمدتها الأمم المتحدة سنة 2011 وشملت “سعادة الشعوب” ضمن برامجها التنموية. وقد اتبعت دول كثيرة هذا المبدأ في خططتها وسياساتها ، ومنها دبي التي تبنتها سنة 2014.

ولخص ملك بهوتان فلسفته للسعادة الوطنية الكلية كالتالي: “هي التنمية مع وجود للقيم. أي أن السعادة هي جسر بين القيم الأساسية المتمثلة بالرفق والطيبة والإحسان والمساواة والإنسانية وبين التنمية الاقتصادية الضرورية.” وترتكز هذه الفلسفة الوطنية على أربعة قواعد رئيسية: 

1) التطور والتنمية المستدامة. 

2) المحافظة على وتطوير القيم الثقافية.

3) المحافظة على البيئة. 

4) الحوكمة الجيدة.

وبالرغم من نجاح هذه الفلسفة ميدانياً على أرض الواقع ، ما زال هناك معارضون لها. فيدّعي المتزمتون أن مؤشر السعادة غير قابل للقياس مما يُصَّعِبُ المقارنة بين الدول. ولكن الرد المفحم هو: “ولماذا يجب المقارنة بين الدول. فساعدة الدول شخصية. فلتسعد كل دولة بطريقتها.”

ثم أن علم الاقتصاد ليس بذلك العلم الدقيق – بالرغم مما يزعمه كثير من الاقتصاديين. فالناتج الوطني الإجمالي (وهو مؤشر أساسي جداً في الاقتصاد) ليس خالياً من العيوب القاتلة لمبدأ جودة الحياة. فعند قياسه ، نأخذ مثلاً المصاريف التي صرفت على الصناعات الملوثة للبيئة ، والعمليات الطبية الفاشلة ، والحروب المدمرة… إلخ ، وثم نجمعها فرحين بضخامة قيمتها التي ترفع من قيمة حجم ناتجنا الإجمالي ، فنصنف أنفسنا بفخر واعتزاز كدول متقدمة!

الطريق طويل ، بين السعادة الآتية من القوازي والسيارات والفارهة والخدم والحشم ، وبين السعادة الروحية المبنية على الانسان وعلى القناعة وعدم التبذير.

Share

4 آراء على “الاقتصاد والسعادة”

  1. يقدم القرآن الكريم نموذجاً للسعادة الدائمة والمثلى، وأبرز مقومات نموذج السعادة القرآني متمثلة في وصف الجنة، وهي باختصار تحقيق الحاجات الأساسية والترفية للفرد بما في ذلك الزواج والطعام والمسكن وفي الوقت ذاته ينعم الفرد فيها بالسلام والأمن والاطمئنان :(لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما) ولا تكتمل السعادة المثلى من دون تخليص المرء من الأحقاد والضغائن: ( ونزعنا ما في قلوبهم من غل أخوانا على سرر متقابلين)، ومن الواضح بأن تحقيق هذه السعادة بأكمل صفاتها بعيد عن منالنا في الحياة الدنيا لكنها بالتأكيد تصلح كنموذج لما ينبغي أن تهدف إليه المجتمعات البشرية، ومن المؤسف أن تكون المجتمعات الإسلامية بعيدة كل البعد عن تحقيق ذلك، وما أحوجنا اليوم للتخلص ولومن قليل من أغلال الأحقاد التي عصفت بحياتنا وعطلت تنميتنا وتهدد مستقبل أجيالنا القادمة.
    مع الشكر الجزيل على هذا المقال الرائع والموقع المتميز.

    1. وردت الآية الكريمة في التعليق بصيغة غير دقيقة والصحيح:
      (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين) مع الشكر والاعتذار.

  2. I agree that it is far from an exact science. You could look at it in a different way. If citizens of Bhutan had the freedom to move to the US or Norway, how many would be ‘happy’ to make the move?

    I personally prefer the inequality-adjusted human development index (IHDI). I do feel it is a better indicator than both. Another way of factoring inequality is the basically difference between the mean and median average in percentage terms.

    http://report.hdr.undp.org/

    1. The “Happiness and Economics” post was a semi-serious/semi-satirical critique of our rigid way of looking at our parameters of success as governments, nations, bureaucrats, as well as people. Many tend to adhere religiously to the conventional national income figures, even though they may not display all aspects of human development and wellbeing.

      The Happiness Index introduced by the King of Bhutan, may have been one early attempt to think-outside-of-the-box. No doubt, as all ideas, it was further developed and enhanced and many variants or offshoots sprang out.

      Almost half a century ago, in “Development Economics” class, we were exposed to the other side of macroeconomics. GNP/GDP figures were not enough, on their own, to measure growth and development. Other parameters had to be assessed and measured, such as, life spans, health data, number of doctors, hospital beds, infancy mortality…etc., all of which are incorporated in the different measures used today.

      No doubt, the HDI is one these attempts to fine tune the measurement of human development, and so is the IHDI. They are both useful indicators of wellbeing and are the results of intelligent people striving to add to the total human knowledge, and in so doing, improve the environment we live in.
      Thank you for your valuable comments.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.