كيف يحمي الضعفاء أنفسهم

checkpoint-charlie-1006111_640كيف يحمي الضعفاء أنفسهم

معادلات العلاقات الدولية

يتطلع الضعفاء للتحالف مع الأقوياء لحماية أنفسهم ، حسب المعادلة السهلة والبسيطة التالية:

(ضعيف) + (قوي) ضد (قوي متوسط) = ينام الضعيف مطمئناً مرتاحاً – أو هكذا يبدو له.

هذه معادلة سهلة وبسيطة يفهمها الجميع. ولكن العالم ، وبالأخص العلاقات الدولية ، أكثر تعقيداً من ذلك ، ونادراً ما تكون الأمور سهلة وبسيطة. فلو غيرنا بعض عناصر المعادلة ، سنكتشف نتائج غير متوقعة ، ومنها:

مثال تحالف أول: 

(ضعيف) + (قوي س) ضد (قوي ص) = هذه معادلة غير جيدة وغير آمنة ، لأن القوي (س) و القوي (ص) أقوياء جداً ، وفي حال نشوب حرب بينهما لا نضمن من يفوز. والأسوأ من ذلك ، أنه بحكم تحالف الضعيف مع (القوي س) ، سيصبح الضعيف هدفاً مباشراً للخصم (القوي ص) ، ولن يستطيع تحمل ذلك ، بل قد يُدَمَّر تماماً.

مثال تحالف ثاني: 

(ضعيف) + (قوي س) ضد (قوي متوسط) متحالف (مع قوي ص) = في حال نشوب حرب بين (الضعيف) و (القوي المتوسط) ، سيدخل المعركة كل من (القوي س) و (القوي ص) ، مما سيؤدي إلى نفس النتيجة الكارثية للضعيف ، تماماً كما في الحالة الأولى.

مثال تحالف ثالث: 

بافتراض نشوب حرب مباشرة ، في أي من المثالين الأول والثاني ، بين (القوي س) و (القوي ص) = سينجر (الضعيف) بالتبعية إلى حرب لم يبدأها ، وسيتضرر أو يندثر بسببها.

ملاحظات هامة: 

1) مبدأ التحالف مع القوي شبيه بمبدأ “القوة الرادعة” التي منعت ولعقود ، نشوب حرب بين أمريكا والاتحاد السوفيتي. وهو مبني على أساس: “إذا حاولت أن تدمرني بقوتك النووية ، استطيع ولو بآخر رمق ، أن أدمرك تماماً بقوتي النووية” ! وبالتبعية ، فإن تحالف الضعيف مع القوي ، يردع أعدائه خوفاً من حليفه القوي. ولكن ، كل ما يتطلب لإفشال هذا المبدأ هو وجود قائد أرعن أو أهوج أو حتى عاقل ولكن سيئ التقدير ، فيشعل حرباً تفني ألأخضر واليابس ، والأمثلة كثيرة في تاريخ البشرية.

2) العلاقات الدولية مبنية على مصالح متبادلة. ولكن تتغير هذه المصالح مع الزمن ومع تغير الظروف والمعطيات. لذلك يقال: ليس هناك أصدقاء دائمين أو أعداء دائمين. وقد يعتقد الضعيف بأنه في أمان بتحالفه مع (القوي) ، ثم يكتشف في فجر يوم أسود بأن حليفه القوي ، قد غير رأيه وخفض أهمية التحالف إلى مستوى دفاع شفهي دبلوماسي ، أو فقط في اجتماعات الأمم المتحدة! أي ليس هناك ضمانات.

3) هناك ثمن لتحالف القوي مع الضعيف ، فلا يعقل أن يُسَخِّرَ القوي طاقاته الثمينة والمكلفة مجاناً. هناك ثمن باهظ مالي ، أو ايديولوجي ، أو سياسي ، أو اقتصادي ، أو جميعها. كما ان هذا الثمن ليس ثابتاً ، بل قابل للزيادة حسب الظروف والتطورات. فقد يزداد إلى مستويات لا طاقة للضعيف عليها ، فماذا يحدث عندئذٍ؟

4) قد تكون التحالفات ضرورية أحياناً ، ومفيدة على المدى القصير والمتوسط ، ولكن من الصعب تصور استمرار فوائدها لطرفيها على المدى الطويل.

5) قد يتوهم بعض الضعفاء بأنهم أذكياء فيحاولوا اللعب على الحبلين ، فيتحالفوا مع طرفين قويين متضادين. لا نتوقع نجاح هكذا تَحَّوط سياسي خصوصاً إذا أقدم الضعيف عليها بمفرده. فعاجلاً أم أجلاً سينكشف أمره ويتعرض ، في أحسن الأحوال ، إلى ملامة الطرفيين القويين. ولكن قد تنجح هذه الاستراتيجية في حال تطبيقها جماعياً ضمن مجموعة من الضعفاء ، ولكن ذلك يتطلب حكمة ودراية وتخطيط دقيق.

المخارج البديلة للضعيف:

مشكلة الضعفاء أنهم معرضون دائماً لهزات وتهديدات مِمَنْ يطمع بهم ، وأحياناً تتطور إلى صراعات تنهكهم أو ربما تفنيهم. فَهُم بذلك مثل الغزلان في الغابة ، مصير معظمهم وجبات غذائية للأسود.

وحيث فتحنا موضوع الغابة ، فلننظر كيف تتمكن قطعان الحيوانات النباتية من الإفلات من أنياب الأسود والحيوانات المفترسة الأخرى ، أو على الأقل تُصَعِّبُ عملية افتراسها بالجملة. فهي تتجمع في المراعي بأعداد كبيرة جداً ، ولما تهاجمها الأسود تنطلق باتجاهات مختلفة فتحيير عدوها وتربكه وتمنعه من التركيز على فريسة واحدة يلاحقها. كذلك تتبِّع الأسماك الصغيرة نفس التكتيك في البحار ، فتتجمع كمجموعات ضخمة تتناثر في جميع الاتجاهات عند هجوم القرش عليها ، فتنفذ بجلدها. أي أن تجمع الضعفاء يعتبر قوة تضعف من هجوم الأقوياء ، ويسمى “الأمان في الأعداد”. ولكن يجب الملاحظة بأن هذا التكتيك يتطلب عدم إظهار الضعيف لأي بوادر عدائية أو صدامية تلفت الانتباه إليه فيستهدف – يعني الأفضل اتباع سياسة “المشي تحت الساس” أي بهدوء بجوار الجدار… وضمن مجموعات كبيرة.

عدم الانحياز:

وقد استنتج الضعفاء هذه الحقيقة منذ أكثر من ستين سنة ، عندما أسسوا سنة 1961 منظمة الدول غير المنحازة ، للنأي بأنفسهم من شر القوتين العظمتين: الاتحاد السوفيتي وأمريكا ، خلال سنوات حربهما الباردة. وقد نجح هذا التكتيك في تَمْكّين معظم هذه الدول من السير على السراط المستقيم وعدم السقوط في حفرة أي من القوتين.

ما زالت هذه المنظمة موجودة ، وإن هرمت وهزلت ، خصوصاً بعد اختفاء إحدى القوتين العظمتين (الاتحاد السوفيتي) ، فقل الحماس لها وأصبحت كالعجوز التي لا يزورها أولادها إلا بين الحين والآخر. فقد عقدت آخر اجتماع سنوي قبل عدة أشهر ، بينما الاجتماع الذي سبقه كان قبل اربع سنوات في سنة 2012 .

لم يدرك أعضاء المنظمة أن تحول العالم من عالم ذو قطبين قويين إلى قطب واحد ، قد أخل بالتوازن المتمثل بمبدأ “الردع المتبادل” ، ولكنه لم يلغي المخاطر التي كانت تخيفهم ، وإنما استبدلها بمخاطر جديدة.

وهناك ، في العقدين الماضيين ، أمثلة كثيرة على هذه المخاطر الجديدة ، أصابت الدول التي حادت عن السراط المستقيم الجديد. تَعَرَّضَ معظمها لجولات غربلة وتغيير على شكل حروب خارجية أو أهلية أو انقلابات ، وكلها بهدف إعادة رسم التوازنات الجيوسياسية ، بما في ذلك الغاء أو تقسيم دول ، أو تغير حدودها ، أو خلق دول جديدة. ومن كثرة هذه التقلبات ، ما عادت كتب الجغرافيا صالحة للتدريس – وما زال التغيير مستمر.

ربما حان الوقت لعودة الضعفاء إلى تجمعهم الذي ساهم في إيوائهم لنصف قرن… ربما حان الوقت للتفكير بالعودة إلى منظمة عدم الانحياز – أو إلى ما شابهها.

Share

7 آراء على “كيف يحمي الضعفاء أنفسهم”

  1. نحن عرب وحديثي عن العرب
    العرب بعد الحرب العالميه الاولى ليس لهم قرارات مصيريه والسبب وجود عسكريين وكلاء للمستعمر وصلوا للحكم بانفلابات في أغلب دول العرب
    وهذي يعني أننا كعرب الخسارة لازمتنا إلى يومنا وفي المعادله نمثل الأضعف
    إذا الشعوب العربيه بحاجه للتغيير بأي شكل كان ليصلوا إلى التحرر من قبضة المستعمر

  2. الدولة الذكيه التي تخطط لمستقبل افضل واستمرارية لبقائها هي التي تعمل في صمت علي الحصول علي الاسلحة الراضعة وتصنيعها – وتدريب جيشها عليها دون ان يدري الجيوش القويه وكل دوله لها الكثير من الحيل في ذلك – ايضا الاهتمام ببناء الجيوش القويه يحتاج الي زمن طويل وصبر وتكاليف ماليه عاليه – افضل من اهدار الاموال وميزانية الدوله علي الرافهيه والترف والنواحي التي ليس لها فائده او جدوي تصلح لبناء امم – وايضا الاهتمام بالرقي في التعليم هو اساس نهضة الامم

  3. Grain of Sand

    by Hamid Atiyyah

    Pity that snotty rose unrepelled
    By the lingering kiss of an ugly pest,

    And the last drops in the water hole
    That cannot say enough to greedy lips,

    Or that slender gazelle’s neck
    Seducing a lion’s grisly lust,

    But scorn soldiers rushing to their death
    Dispatched by pins on a general’s plot.

    Real strength does exist
    In a detached grain of sand

    Neither a mighty flood can drown
    Nor a crunching jaw can bend.

    Whether it turns into a pearl in a necklace
    Or glorious Venus on Botticelli’s canvas
    It cares less.

  4. لا وجود لمجتمع ضعيف علي مدي التاريخ
    فمثال علي ذللك أصبحت الصين من أقوي دول العالم اقتصاديا وأفاقت من الفقر الذي سببه لها الغرب
    وأصبحت اسرائيل اكثر الدول تأثيرا علي السياسه الامريكيه وخاصه السياسه الخارجيه منها بعد ان طوردوا من الدول الاوربيه

    1. هناك 196 دولة مستقلة في العالم… منهم أقوياء “وزن ثقيل” حوالي 2 – 5 دول… وثم حوالي 10 دول قوية بدرجات تتراوح بين متوسط إلى الريشة وثم الديك! … أما الغالبية العظمى (بما فيها الدول العربية) يمكن تصنيفها كضعيفة بدرجات متفاوتة.

      حتى الصين ، مرت في فترة ضعف لما احتلتها اليابان وقبلها الدول الأوروبية الكبرى وأمريكا … ثم انتصر ماو تسي تونج ولكنه عرف أنه ما زال ضعيفاً مقارنة مع الدول الغربية ، فتحالف مع الاتحاد السوفيتي لسنوات طويلة حتى “اشتد ساعده”…

      أما إسرائيل ، فهي مثال جيد على التحالف “الكلاسيكي البسيط” مع دولة قوية جداً (أمريكا) وكذلك دول أوروبية. كما أن إسرائيل الوحيدة التي نجحت في المحافظة على تحالفها مع القوي جداً ، وبنفس الوقت مغازلة والتعامل مع الدول المضادة لأمريكا…

      المهم هو أننا كالقارب الصغير في وسط البحر بلا “باورة” أو “أنكور” أو حتى مجاديف… عرضة لتقلبات الجو والعواصف… ربما علينا ربط القوارب الصغيرة معاً ، لكي لا تنقلب من الأمواج العاتية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.