هل التخصيص هو الحل؟

هل التخصيص هو الحل؟

هناك فهم خاطئ لمفهوم التخصيص. فهو أولاً، مبدأ متشعب وبالتالي معقد، وليس هناك إجماع حول مبررات تطبيقه وفي أي حالات، وماذا يشمل بالضبط، وكيف يتم تطبيقه، وما هي نتائجه الفعلية في دول أخرى. وثانياً، قد رُوِجَ له بجرعات كبيرة من الدعاية، وزين بمكياج ليظهر كحبة دواء واحدة، إن أخذناها طبنا من جميع أمراضنا، وتحولنا فوراً إلى دولة عصرية متطورة، وازداد رفاهنا وثراءنا! وبينما كلنا نطمح لهكذا نتيجة مفرحة، إلا أننا لا نعتقد أن حبة الدواء هذه هي السبيل إليها، بل نعتقد بأن مساوئ التخصيص (في حالتنا) تفوق حسناتها النظرية. فدعونا نفحص صحة وفعالية هذا الدواء السحري، من خلال مراجعة سريعة للافتراضات الرئيسية التي بنى مؤيدو التخصيص فهمهم عليها، والتي تنحصر في افتراضين: ضعف قدرات الدولة، وعظمة قدرة القطاع الخاص.

أولاً: افتراض ضعف قدرة الدولة:

يفترض مؤيدو التخصيص بأن الدولة لا تستطيع إدارة أعمالها ومشاريعها للأسباب التالية:

1) ليس لديها كفاءات إدارية.

2) لا تستطيع ضبط جودة ما تقدمه من سلع أو خدمات.

3) لا تطمح للربح، مما يقلل من اهتمامها في تقليص المصاريف، فتحلق تكاليفها إلى السماء، وتفتح المجال لنمو وانتشار للفساد.

ولكن ينسى (أو يتناسى) هؤلاء المؤيدون بأن:

1) الدولة قادرة على تعيين أفضل الكفاءات لإدارة المشاريع وضبط الجودة وتخفيض المصاريف. وفعلاً، لديها نخب من أفضل الكفاءات في مجالات عديدة، قد لا نبصرهم لقلة عددهم نسبةً إلى إجمالي كادر القطاع العام الضخم.

فظروف سرعة وحجم نمو البلد خلال النصف قرن الماضي فرضت على الدولة تعيين واستيعاب أعداد كبيرة ومتزايدة من المواطنين في وظائف الدولة، بهدف توفير لهم دخل وعيش كريم، مما أدى في النهاية إلى ترهل الجهاز الحكومي الذي نشتكي من أنه غير منتج. أي أن المشكلة اجتماعية وسياسية أكثر منها إدارية أو اقتصادية. ربما كان بالإمكان تدارك النتائج السلبية (غير المرئية حينئذٍ)، إلا أن إيرادات النفط كانت تتدفق بغزارة عظيمة بررت إطفاء ظماء الشعب. فمن السهل الحكم والانتقاد بأثر رجعي على ما سبق، والادعاء بأنه كان على الحكومة أن تخطط بأسلوب أفضل وتقنن تعيين الموظفين وتحاسبهم بشكل أكثر صرامة وقسوة. ولكن لا ننسى (والكثير ربما لم يكن موجوداً حينئذٍ) بأن هذا حدث في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لما كانت البلد في طفولتها، أي في بداية انفتاحها على الخير والنعمة. ثم، أصبح هذا التوظيف الكثيف عادة وسابقة لم يمتلك أي طرف الشجاعة أو الإرادة لإيقافها أو تقنينها – وما زالت كذلك.

وبالرغم من كل ذلك، تبقى الحقيقة أن الدولة قادرة على تعيين أفضل الكفاءات، إذا عزمت على ذلك، بالرغم من ربما اعتراضات المتنفذون من أصحاب المصالح، والمستفيدون من الوضع القائم.

2) تمتلك الدولة المال الوفير لتمويل المشاريع التي يهابها القطاع الخاص. كما أن وجودها يحمي هذه المشاريع من تقلبات السوق، التي عادة تسحب بساط السيولة من تحت كثير من مشاريع القطاع الخاص، وتلقيها تحت رحمة ضغوط البنوك ومموليها ودائنيها.

3) تمتلك الدولة مساحات شاسعة من الأراضي التي يمكنها استغلالها لأي مشروع.

4) تستطيع الدولة احتكار المشاريع الإنتاجية والخدماتية من باب أنها جوهرية للمجتمع أو للاقتصاد أو للأمن.

5) تستطيع الدولة إعادة تصنيف بعض مشاريعها كتجارية تهدف للربح (المعتدل)، وبالتالي تخضعها لمفاهيم التشغيل التجاري البحت.

ثانياً: افتراض عظمة قدرات القطاع الخاص:

ويفترض مؤيدو التخصيص بأن القطاع الخاص قادر على استلام جزءً كبيراً من أعمال الدولة الإنتاجية والخدماتية وإدارتها بشكل أفضل بكثير، ومن ثم قادر على أخذ زمام المبادرة لتطوير وتنمية الاقتصاد، وذلك للأسباب التالية:

1) توفر الكفاءات الإدارية بغزارة في القطاع الخاص.

2) تطبيق مبدأ الربح والخسارة يضمن حرص القطاع الخاص وتفانيه للارتقاء بالجودة وتقليص المصاريف.

3) القطاع الخاص بطبيعته هو المحرك والمحفز الأساسي لنمو الاقتصاد وتحسين ميزان مدفوعات الدولة.

ولكن ينسى (أو يتناسى) المؤيدون الحقائق التالية:

1) يعتمد القطاع الخاص في الكويت (ومعظم الدول الخليجية) شبه كلياً على مصروفات الدولة. فالدولة هي المصدر الأكبر لإيرادات القطاع الخاص، إما عن طريق مشترياتها للسلع والخدمات عبر المناقصات وأوامر الشراء، وإما عن طريق ما تصرفه كرواتب ومكافئات لموظفيها مما يشكل قوة شرائية ضخمة لسلع وخدمات القطاع الخاص. فلو توقفت الدولة عن الصرف أو قلصته، لارتبك القطاع الخاص وعلت صيحات الإغاثة منذرة بالتعثر والإفلاس.

2) لا شك أن هناك كفاءات إدارية ممتازة في القطاع الخاص، خصوصاً تلك التي نمت خلال العقدين الماضيين، ولكنها ما زالت قليلة ونادرة ولا توفر التغطية الكافية للاقتصاد ككل. أما بقية القطاع الخاص، فما زال يسير بنمطه التقليدي ومعتمداً كلياً على الإدارة والعمالة الوافدة. ويوضح التاريخ القريب مدى ضعف قدرات القطاع الخاص وارتباكه في مواجهة كل أزمة من الأزمات الاقتصادية الكثيرة التي مرت على البلاد.

ومن ناحية أخرى، هناك قلق من أن شدة اهتمام القطاع الخاص بالربح قد يطغى على مبدأ الجودة أو السعر العادل – فما أكثرها حالات الغش والاحتيال والاختلاس التي تنشرها الصحف بانتظام (مع عدم معرفة حجم ما لم ينشر).

أما بالنسبة للفساد، فله جانبان، الأول يدفع والثاني يقبض. والجانب الذي يدفع هو القطاع الخاص، الذي ربما يجد نفسه مضطراً لذلك ليحافظ على مستويات ربحيته.

3) التوظيف أحد أهم جوانب مفهوم النمو الاقتصادي، بما في ذلك تقليص نسبة البطالة (الحقيقية والمقنعة). وباستعراض أداء القطاع الخاص عبر النصف قرن الماضي، نجد أنه كان المدخل الرئيسي لزيادة العمالة الوافدة (الماهرة وغير الماهرة) على حساب العمالة الوطنية.

أما بالنسبة لميزان المدفوعات الخارجية، فيعود فائضه إلى صادرات النفط، التي لولاها لغرق الاقتصاد من ثقل عجزه، وهبط سعر صرف الدينار إلى مستوى العملات الرديئة. فصافي أثر القطاع الخاص كان دائماً سلبياً في هذا المجال.

ماذا تعني “حبة” التخصيص؟

ولكن إذا كان الأمر كما ذكرنا أعلاه، لماذا هذا التسارع من الحكومة والقطاع الخاص على تطبيق التخصيص، حتى بدون دراسة واضحة لنتائجه المحتملة على الكويت (والدول الخليجية)؟ نخشى أن أحد أسباب تسارع الحكومة، هو رغبتها في غسل يديها من المصيبة التي آلت إليها، وعدم وجود رؤية واضحة أو إرادة ومن ثم قدرة على معالجتها. أما بالنسبة للقطاع الخاص، فنخشى أن أحد أسباب تسارعه هو سباقه للحصول على أولوية دور للفوز بالجزء الهبر من أعمال الحكومة، خصوصاً تلك التي تمنحه امتيازات احتكارية، وأراضٍ مجانية أو بأسعار رمزية، وإجراءات وقوانين مفصلة لصالحه، وطلب مضمون على سلعه أو خدماته بالأسعار المضخمة بلا منافس – وكل ذلك بدون أن يدفع سعرها الحقيقي (الملموس وغير الملموس). فكيف يمتنع أو يتأخر عن هكذا فرصة ذهبية؟

ما هو البديل للتخصيص؟

بالرغم ما يدعيه البنك الدولي (الموقر) بأن التخصيص هو الحل، وبالرغم من النظريات الاقتصادية التي تدعو للتخصيص، إلا أن التخصيص ليس دائماً الحل الصائب لجميع الحالات. فقد فرض البنك الدولي عبر النصف قرن الماضي مئات السياسات الاقتصادية على دول العالم الثاني والثالث التي انتهى كثير منها غارقاً في ديون جعلته أسيراً، لا بل عبداً، للدول المتقدمة وبنوكها وشركاتها العالمية. أما بالنسبة لعلم الاقتصاد، فعندما يتحدث عن التخصيص، يقصد بالدرجة الأولى توظيف العمالة الوطنية وتقليص مصاريف الدولة (بالإضافة إلى توفير تمويل جديد، وحسن إدارة وانتاجية…إلخ). أي يتوقع منه استيعاب عمالة الدولة بالإضافة إلى توظيف عمالة وطنية جديدة. وهذا لا أمل في تحقيقه في المجتمعات الخليجية، على الأقل في المستقبل المنظور.

لذلك، يجب التفكير بحلول جديدة مختلفة تماماً، فالكلاسيكي والقديم لا ينفع هنا. ونقدم فيما يلي بعض التصورات المبدئية:

1) تحويل بعض أعمال الحكومة إلى تجارية الطابع. وذلك بحصر أعمال الدولة التي يمكن تخصيصها، وثم عزلها في شركات مملوكة للدولة، بعد تفريغها من العمالة الفائضة (التي تحول إلى وزارات أخرى)، على أن تدار على أساس تجاري بحت، مع تحديد ربحها بنسبة معينة (مثل 5% – 10%). وهناك أساليب كثيرة لمتابعة ومراقبة وتطبيق هكذا مشاريع.

2) إعادة تقييم الأعمال الحكومية المتبقية بحيث يتولاها مدراء قديرون، ويعاد تنظيمها وتفريغها من فائض الموظفين الذين ينقلون إلى وزارة خاصة بذلك. وتدار حسب أهداف ومؤشرات أداء واضحة.

3) يعاد تدريب وتأهيل العمالة الفائضة ومن ثم تُخَيَّر بين العمل لحسابها بعد استلام مكافئات مجزية، أو العمل في القطاع الخاص، أو العمل في مؤسسات الدولة إن احتاجت خبراتها التخصصية.

4) تشجيع انشاء المشاريع المشتركة بين القطاعين العام والخاص (PPP) ولكن بتركيز أكبر على مشاريع متوسطة الحجم وتلك المقدمة من القطاع الخاص، بعد دراستها تماماً من قبل الحكومة. فالمشاريع المشتركة المؤسسة في الستينات من القرن الماضي كانت جيدة ويمكن الاقتداء بها. أما بالنسبة للمشاريع العامة العملاقة، فهي أيضاً مفيدة، ولكنها ضخمة جداً وأكبر من قدرة القطاع الخاص على لعب دور مباشر ومؤثر فيها (غير ربما دور الوسيط للشركات العالمية التي تسير حسب أجندات خاصة بها).

5) يفرض على القطاع الخاص تعيين العمالة الوطنية من خلال إيقاف أو تقليص إصدار وتحويل أذونات العمل (إلا في أضيق المجالات ولتخصصات نادرة). وكذلك تمنع الشركات المخالفة من المشاركة في مناقصات وممارسات الدولة (بعد منحها فترة كافية لترتيب أوضاعها). وبشرط أن يطبق هكذا قرار في آن واحد على الجميع، وإلا تسبب في فقدان العدالة والمنافسة بين الشركات التي تطبقه وتلك التي تتلكأ أو تكون معفية منه.

6) تشجيع الشركات التي تنتج سلع أو خدمات قابلة للتصدير وتكافأ على حجم صادراتها.

لا شك أن الأفكار أعلاه مختصرة وقابلة للحوار والتعديل والتحسين، ولكنها في جميع الأحوال أفضل من القفز إلى المجهول بالتخصيص المتسرع. خصوصاً وأنه طريق في اتجاه واحد، إذا أخطأنا الاختيار، لا يمكننا العودة. كما أنه دائماً يؤدي إلى أسعار أعلى على المواطنين. لذلك علينا التريث حتى نتأكد تماماً مما نحن مقدمين عليه. فحبة دواء التخصيص ستتطلب تنكر ماء لبلعها، وحتى عندئذٍ، هناك احتمال أن نَقُصُّ بها.

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.