قانون جاستا وأموال العرب

قانون جاستا وأموال العرب

justitia-429717_640

أصدر البرلمان الأمريكي قانوناً يجيز للأفراد مقاضاة دول في المحاكم الأمريكية بتهمة دعم أو مساعدة عمليات إرهابية في أمريكا. رفضه الرئيس أوباما ومارس حق الفيتو ، ولكن أعيد طرحه وحصل على أغلبية ساحقة ، فانتفى الفيتو وتثبت القانون.

بدى وكأن القانون موجه ضد السعودية بالذات ، بسبب أحداث 9/11 في نيو يورك ، بالرغم من عدم توفر الأدلة. ولكنه بنفس الوقت ، أصاب العالم ككل بإلغائه مبادئ وأعراف دولية أساسية مثل حصانة الدول ورؤسائها وموظفيها ، مما أثار ليس فقط السعودية ودول الخليج ، بل كذلك هولندا التي نددت بخطورته ، وفرنسا التي توعدت بإصدار قانون مشابه ، وآخرين نتوقع أن نسمع منهم في الأيام القادمة.

قانون شرس وخطير

وبعد إصداره ، اكتشف البرلمان الأمريكي بأنه فتح المجال لمقاضاة أمريكا لأفعالها طوال المائة سنة الماضية – وفي محاكم دول العالم الثالث! فقد انقلب السحر على الساحر. إذ لا تستطيع أمريكا محاربة جميع دول العالم لأنهم يقاضونها ويحجزون على أموالها وأموال شركاتها. لذلك وعد بعض النواب بإعادة النظر في بعض بنود القانون وتخفيفها ، وذلك بعد عودتهم من إجازتهم الحالية. وهذا برأينا لا يغير من الوضع السلبي.

كما أن البعض تنفس البعض الصعداء عندما استنتجوا بأن القانون ضعيف ، لأنه يتطلب أدلة على ضلوع الدولة في الإرهاب كي تتم مقاضاتها ، ولأنه يحق للمدعي العام الأمريكي تأجيل القضية بإبلاغ المحكمة بأن حكومته بصدد التفاوض مع الدولة المدعى عليها. هذا لا يغير شيء ، فجميع التهم تتطلب أدلة ، كما أن التأجيل بطبيعته أمر مؤقت ، أي أن هذه الثغرات لا تضعف القانون. بل ، حتى لو تم تعديل القانون بشكل جوهري ، فإنه يمثل ناقوساً يدق منبهاً بما هو آتٍ.

اصدار القانون ليس بخطأ أو صدفة

فظهور هذا القانون ليس ردة فعل عفوية لنشر تقرير حادثة 9/11 ، وليس صدفة توقيت بأن ظهر أثناء المعركة الانتخابية الرئاسية والبرلمانية الأمريكية مما أرغم النواب على الظهور أمام ناخبيهم كأبطال يدافعون عن حقوقهم ومصالحهم. بل نعتقد بأن الجو كان مهيئً لظهوره.

فتجرؤ البرلمان وإصدار قانون معادي لأحد أهم وأقدم حلفاء أمريكا ، ينم عن وضع جديد وخطير ، بدأ مع قرار الإدارة الأمريكية بالقفز إلى آسيا ، وشبه التخلي عن الشرق الأوسط. وثم رَشَحَ هذا القرار عبر طبقات المؤسسات الأمريكية حتى وصل إلى مستوى البرلمان الذي تداوله وصَوَّتَ عليه بدون احتساب أمورٍ كثيرة. ولا ننسى دور وسائل الاعلام الغربية التي منذ فترة تؤجج الرأي العام ضد العرب والمسلمين.

ماذا يعني للعرب؟

هل هذه رسالة مبطنة لنا؟ ربما ، ويمكن تصور محتواها كالتالي:

1) يبدو أن الدول الخليجية لم تعد بنفس الأهمية الاستراتيجية السابقة. لا شك أنها ما زالت مهمة لإنتاج وتزويد النفط وشراء السلاح ، ولكن عليها الانضباط وعدم التسبب في أي صداع لأمريكا مما يتطلب الصرف الدفاعي عليها ، أو تحويل انتباهها من آسيا وروسيا.

2) سيستخدم القانون الجديد الحالي (أو المعدل) بمثابة عصى يلوح بها كلما خرجنا عن السراط المستقيم الذي رُسِمَ لنا.

3) كلمة “إرهاب” مطاطة ويتم تعريفها حسب رؤية ومزاج القوي. لذلك هذا القانون رسالة واضحة ليست فقط للسعودية ، وإنما كذلك للكويت وبقية دول الخليج التي تتهمها أمريكا ، بين الحين والآخر ، بضعف الرقابة على عمليات جمع التبرعات التي تمول الإرهاب.

4) أموال واستثمارات الدول الخليجية أصبحت أكثر عرضةً للمصادرة. فهي كثيرة وحان وقت إيجاد وسائل لمصها.

ماذا نستطيع أن نفعل؟

فماذا يمكننا عمله للدرء بأنفسنا وأموالنا من مغبة الوقوع في شباك هذا القانون؟ خيارتنا الحكيمة قليلة ، واهمها:

على المدى القصير: 

توزيع بيضنا في أكثر من سلة من خلال:

أ‌) السحب التدريجي المنظم لجزء من الودائع في البنوك الأمريكية والبنوك غير الأمريكية التي تخضع للقوانين أو التأثير الأمريكي. لا شك أن هذا لا يحميها تماماً ، ولكنه يعرقل ويؤخر العملية ويمنحنا وقتاً.

ب‌) تسييل تدريجي لسندات الخزينة الأمريكية حتى لا نتكبد خسارة كبيرة من عملية التسييل.

ت‌) تقليص الودائع بشكل عام ، وتحويل ما يمكن إلى أصول مثل عقارات أو أسهم مؤثرة في شركات جيدة في جميع أنحاء العالم ، وليس فقط في الغرب.

ث‌) شراء الذهب كلما هبط سعره وبناء مخزون استراتيجي كبير منه.

ج‌) لا ننصح باللعب الآن بفكرة تحويل عملة بيع النفط من الدولار إلى أي عملة أخرى. فهذا لعب بالنار وقد يثير غضب أمريكا ويكون أسوأ بكثير من القانون الجديد.

على المدى المتوسط: 

أ‌) التفكير في الدخول في تجمعات دولية كبيرة مثل “بريكس” وغيرها لتوفير العمق الاستراتيجي الاستثماري الذي نفتقر إليه.

ب‌) توجيه الأموال إلى المشاريع في الدول العربية ، بعد التفاوض على شروط ومفاهيم جديدة ملائمة وضامنة لحقوق الطرفين.

ت‌) استخدام الأموال المسحوبة من البنوك والاستثمارات الغربية في المساهمة في مشروع طريق الحرير الجديد.

ث‌) إعادة النظر في العلاقات الإقليمية والجنوح للتهدئة وربما التصالح لما في ذلك من فوائد عظيمة مثل تحاشي الحروب المكلفة وفتح المجال لاستثمار الأموال المسترجعة.

ج‌) تقليص الصرف على المعدات العسكرية وخصوصاً الغربية. مع أننا سنبقى ولمدة طويلة تحت رحمة عقود الصيانة وقطع الغيار المكلفة لما نملكه حالياً أو تعهدنا بشرائه.

ح‌) طبعاً ، وهذا الأهم ، الإسراع في إعادة بناء مجتمعاتنا واقتصادنا لمواجهة الحقبة القادمة ، التي سنكون فيها بمفردنا في الغابة.

السُحُبُ قاتمة في الأفق ، فقط الأعمى لا يراها.

Share

8 آراء على “قانون جاستا وأموال العرب”

  1. بو احمد مقالاتك و طروحاتك دائماً سليمه و دائماً أوافقك الرأي بس الحلول قليله و صعبه في ضَل الظروف اللي نمر فيها مع معطيات الأمور و الواقع المرير اللي نعيشه

    1. شكراً لمداخلتك… نعم ربما تبدو قليلة ، ولكن هذه الحلول السريعة التي يمكن البدء بها… ولا شك أن العقول النيرة والذكية كثيرة… وهذه المقالة مجرد فتح الباب للتفكير والنقاش والحوار… عشرة ، وعشرون ، بل مائة مخ أفضل بكثير من مخ واحد… أوافق معك تماماً ، واقعنا مرير ، وخوفي أن يزداد مرارةً أضعاف مضاعفة…

  2. يجب أيضا اللجوء للأمم المتحده لتوفير الضمانات بعدم المس بالحقوق للدول دون أدله يعترف بها القانون الدولي وليس فقط محاكم الدوله المرفوع بها حق التغاضي .

    1. شكراً للمشاركة… الأمم المتحدة أصبحت مثل منظمة الأوبك… صيت وسمعة ، وفعل قليل… بل قدرة قليلة ، خصواصاً لما القرارات المطلوبة منها لا تناسب الأقوياء… ليس لدينا إلا أنفسنا ، وقدرتنا على التفكير السريع خارج الأساليب المعتادة… طبعاً هناك مخاطر حتى لهكذا محاولات ، ولكن ما البديل؟ الخصم هو الحكم!

  3. سحب الودائع و الاستثمارات تدريجيا فكرة ممتازة و لكن هؤلاء قوانينهم على هواهم و أعتقد سيوقفوها بحجة الأمن القومي و الاقتصادي.
    أما السلاح فلو اشترينا التكنولوجيا بطريقة او بأخرى لصنعنا السلاح بانفسنا

  4. تحليل وشرح ممتاز يا استاذ مروان .. ونصائح يجب على اصحاب القرار النظر اليها بجديه قبل فوات الاوان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.