انضم للجيش وتعلّم مهنة

انضم للجيش وتعلّم مهنة

اتبع الجيش البريطاني في الستينات من القرن الماضي سياسة ذكية لجذب الشباب للانخراط فيه. فقد أطلق حملة إعلانية واسعة تقول: “انضم للجيش وتعلّم مهنة” . ففي الجيش كم هائل من المهن الفنية والادارية تبحث من يشغلها… بإتقان.

ليست جميع وظائف الجيش قتالية. فالسلك العسكري يحتوي الاف الوظائف الشبه مدنية وذات طابع اداري ومكتبي مثل: السكرتارية ، والكتابية ، ومدخلي البيانات ، ومشغلي الكمبيوتر ، والترجمة ، وامناء مخازن ، وقرطاسية ، وتغذية ، وادارة منشئات ، وفندقة ، وطبخ ، وغسيل وتنظيف ، وشؤون موظفين وموارد بشرية ، ومحاسبة ، وإعلام ، وتصوير ، وتلفزيون ، وإذاعة ، وطب وتمريض وصيدلة… إلخ. كما يحتوي الاف الوظائف الفنية مثل: ميكانيكية معدات وآليات ، وكهربائية ، وإصلاحات وتجديدات، وخراطة وتصنيع بسيط ، والكترونية ، واللاسلكي ، والقوارب والبواخر ، وقيادة الشاحنات وعمليات النقل واستخدام الرافعات ، وصيانة الآليات ، وتشحيم وزيوت ، وقطع غيار ، وبناء مباني وطرق ومتاريس وجسور وخنادق… الخ. فالقطاع العسكري هو نسخة مشابهة للقطاع المدني وما يحتويه من خدمات وأعمال ولكنها تخدم القطاع العسكري أولاً وثم (عند الضرورة) القطاع المدني.

وليست وظائف السلك العسكري بسيطة أو مشابهة تماماً لما هو موجود في القطاع الخاص وإنما متطورة وتتطلب قدرات ادارية وفنية عالية تستطيع التعامل مع التكنولوجيا الحديثة وبسرعة. فمن يتقن هذه الاعمال يكتسب خبرات يستطيع تكرارها لحسابه في عمله الخاص عندما يترك السلك العسكري. أي أنه فعلاً يتعلم مهنة يرتزق منها مدى الحياة بدون الاعتماد على الوظيفة الحكومية وعلى الواسطة للحصول عليها… ناهيك عن الملل في الوظيفة الحكومية غير المنتجة.

كما أن السلك العسكري يتمتع عادة بنظم واساليب قياس الاداء بحيث لا يبخس حق المجتهد والمبدع ، كما لا يعاقب غير المبدع طالما أنه يؤدي الحد الأدنى من العمل المناط به. وحتى يبقى الأداء عالياً ، فإن التدريب والتأهيل المستمر من أهم سمات الجيوش.

وأخيراً ، يمتاز السلك العسكري بالانضباطية والالتزام وهو أمر ضروري لتنمية الشخصية المنتجة المطلوبة لفترة ما بعد النفط القادمة.

السلك العسكري حلّ لتضخم حجم موظفي الدولة في الكويت؟

يشكل موظفي القطاع العام (المدني) عبئاً كبيراً على ميزانية الدولة وهم في تنامي سريع بحيث أنهم أصبحوا مصدر قلق لكيفية ايجاد ودفع رواتب هذا العدد المتزايد من الموظفين في السنوات العجاف القادمة. أضف إلى ذلك شكوى الجمهور والمسؤولين وكذلك الخبراء من ضعف انتاجية جزء كبير من موظفي الدولة مما سمي بالبطالة المقنعة.

ولكن بنفس الوقت ، من الصعب اجتماعياً وسياسياً وخلقياً وكذلك دستورياً قطع أرزاق المواطنين بلا سبب مشروع. أي أن الميزانية مدبسة شاءت أم أبت برواتب الكوادر الحالية. فما الحل؟

الحل الذي يصيب أكثر من عصفور بحجر، أي يحقق أكثر من هدف في آن واحد، هو تفريغ مؤسسات الدولة من غالبية الموظفين ونقلهم إلى السلك العسكري ومن ثم إيقاف جميع التعيينات الجديدة في الدولة إلا من خلال السلك العسكري.

ماذا ينتج عن ذلك التحويل؟

على المدى القصير والمتوسط:

1) سيتقلص فوراً حجم جهاز موظفي الدولة المدني وتنتقل مصاريفه إلى ميزانية الجيش. قد يبدو هذا تغير شكلي ومحاسبي حيث ستستمر ميزانية الدولة الاجمالية بتحمل نفس الرواتب. ونشير هنا إلى أن هذه مشكلة كبيرة وحساسة ولا يمكن حلها بجرة قلم بين ليلة وضحاها ، بل تتطلب عدة سنوات لتحقيق جميع أهدافها. 

2) بتقليص عدد موظفي المؤسسات الحكومية المدنية بشكل كبير سيضطر المشرفون والمدراء على إعادة تنظيم دوائرهم وإعادة تصميم ورسم إجراءات وأساليب العمل بشكل أفضل وأسهل وأسرع وأتقن مما سيحسن الخدمات المقدمة للجمهور. (وهناك طرق علمية مجربة لتحديد الحد الأدنى للموظفين لإنجاز كل مهمة أو عملية).

3) يمنع نمو جهاز موظفي الدولة المدني إلا من خلال احتياجات حقيقية تقدرها جهات مستقلة بعد إتمام دراسة “عمل” كاملة. وحتى حينئذٍ فأي إضافات تأتي من خلال تحويل الموظفين من السلك العسكري بشرط أن يتميزوا بالمؤهلات والخبرات والقدرات المناسبة للمهمات الجديدة التي سيستلمونها. كما يمكن تحويلهم إلى لقطاع الخاص لملئ الوظائف الكثيرة التي ستشغر.

4) وبذلك نحقق على المدى القصير والمتوسط هدفان مهمان: الأول هو تخفيف وزن الجهاز الحكومي وبالتالي تحسين أدائه. والثاني عدم قطع أرزاق المواطنين العاملين في الدولة.

على المدى المتوسط والأطول:

1) يتم فحص واختبار قدرات المحولين للسلك العسكري بحيث يتم تحديد المهارات التي تنقصهم ومن ثم يتم إعادة تدريبهم وتأهيلهم على مهارات جديدة.

2) من ينجح في تحسين مهاراته تسند اليه مهام مناسبة له. ومن يفشل تسند له مهام حسب قدراته.

3) سيكتسب كثير من موظفي السلك العسكري على مهارات جديدة تمكنهم من الاستقالة وتأسيس عمل خاص يدر عليهم أضعاف ما يحصلون عليه في الوظيفة الحكومية. كما يمكنهم التحول للعمل في القطاع الخاص.

الملاحظات على هذا الحل:

1) تبدو الفكرة كبيرة ومعقدة ومفزعة وقد يتخوف الكثيرون من اتخاذها أو حتى التفكير بها. ولكن لحد الآن لم يتقدم أحد بطرح طريقة مقنعة لمعالجة تضخم الكادر الوظيفي العام بدون قطع الأرزاق وإنهاء الخدمات.

2) ويفترض هذا الحل تقليص جميع الوافدين في مؤسسات الدولة إلا من لديه خبرات عالية ونادرة وعندئذٍ تقدر عدد السنوات التدريب المطلوبة لتأهيل مواطنين وإحلالهم في تلك الوظائف. أي يتوقع اسناد جميع المهام إلى المواطنين على المدى الأطول.

3) ولا يتطلب من السلك العسكري بناء بنايات ومكاتب جديدة للكوادر المحولة من القطاع المدني بل يمكن استغلال المساحات التي يشغلونها حالياً في الوزارات وفصلها وتعديلها لتناسب الاعمال الجديدة التي ستناط بهم.

4) مع الوقت ، سيتقاعد عدد كبير من الموظفين في السلك العسكري بينما سيتقيل جزء آخر لمتابعة أعماله الخاصة أو يتحول إلى القطاع الخاص ، وبذلك يتقلص حجم الموظفين المنقولين أساساً من الوزارات. (ونفترض هنا إعادة تفعيل قرار عدم الجمع بين الوظيفة الحكومية والوظيفة في القطاع الخاص أو العمل الحر).

5) أما بالنسبة للتعينات الجديدة في السلك العسكري ، فهذه تكون حسب مؤهلات المتقدمين وبعد إجراء سلسلة اختبارات قبل التوظيف ومن ثم يتم تعيينهم في أول السلم وفي مجال تخصصهم وثم مراقبة أدائهم مرحلة تلو المرحلة.

لا شك أن هذا الاقتراح سيولد اعتراضات كثيرة. ولكن معظمها سيكون كردة فعل طبيعية على أمر جديد ومجهول يتخوف الناس منه على أرزاقهم ومصالحهم. ولكن مشكلة تضخم حجم القطاع الحكومي حقيقية ولها احتمالات كارثية على نفس المعترضين ، ولا بد من مجابهتها عاجلاً أم آجلاً. ومن الأفضل معالجتها عاجلاً بينما ما زال لدى الدولة أموال وتستطيع تمويل إعادة تدريب الموظفين وإكسابهم مهارات جديدة منتجة ومفيدة لهم.

Share

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.