الكويت وحلف الناتو

الكويت وحلف الناتو

كنا قد استعرضنا في مقال سابق الخيارات النظرية المتاحة للدول الضعيفة، وذكرنا أن من بين خياراتها التحالف مع من هو قوي، أو مع عدة أطراف أقوياء، أو مع مجموعة كبيرة من الدول غير المنحازة. وقد استعرضنا حينئذٍ إيجابيات وسلبيات كل خيار. 

يبدو أن الكويت قد فعلت ذلك منذ سنة 2004 بانضمامها إلى مبادرة حلف الناتو، وهي الآن تخطو الخطوة التالية في إنشاء مقر اتصالات وتنسيق دائم للحلف على أرضها. ولا شك أن هذه، من ناحية المبدأ، سياسة حكيمة لدرء المخاطر الواضحة وقصيرة المدى، ولكن هل ستتوقف عند هذا الحد؟ أم ستستمر لتعزيز الأمن بإضافة خيارات أخرى؟

كنا قد ذكرنا بأن أفضل الحلول للضعيف هو التحالف، إن أمكن، مع أكثر من طرفٍ قوي لما يحقق ذلك من حماية، وبنفس الوقت يجعله محايداً في حال نشوب خلافٍ بين حلفائه الأقوياء.

كما ذكرنا بأن احتمال نجاح التحالف مع عدة أقوياء متناقضين مع بعض، يتطلب اشراك ضعفاء آخرين في الحلف حتى لا يتعرض أي ضعيف بمفرده للضغط والانتقاد من حلفائه الأقوياء. وأشرنا إلى أن منظمة الدول غير المنحازة تبدو وسيلة ومظلة جيدة لتحقيق ذلك – أو أي تجمع آخر جديد أو قديم يوفر نفس الميزات.

وفي جميع الأحوال، فإن زيادة الخير، هو خير. والتحالف مع أكثر من جهة يعتبر نوع من التحوط السياسي الحكيم، والأقل كلفة على المدى الطويل. ففي حال حصر تحالفه مع حليف قوي وحيد، لا يعلم الضعيف متى سيُطْلَبُ منه سداد فاتورة حمايته، ولا يستطيع تقدير مسبقاً قيمتها المادية أو الأدبية. ولأن العالم في تغير مستمر وتتغير معه المصالح والرؤى الاستراتيجية والجيوسياسية، فلا يريد الضعيف أن يصحى فجر يوم أسود على مفاجئات مفزعة.

ومن التغيرات الجديدة التي بدأت تلوح في الأفق في السنوات القليلة الماضية، هي ما تداول بشكل واسع عن سياسة أمريكا للقفز إلى آسيا وتقليص اهتمامها في الشرق الأوسط، مما أثار قلق واستياء الكثيرين، وربما تسبب في تغيرات وتقلبات جوهرية في أوضاع وسياسات جميع دول المنطقة. فخروج أمريكا من الساحة، أو حتى تغيير أولوياتها، خلط حطب الشطرنج وأربك جميع اللاعبين.

كما حدث تغير كبير مؤخراً بفوز دونالد ترامب برئاسة أمريكا، وهو الذي أعلن مراراً بأن حماية الشرق الأوسط مجاناً لم تعد مقبولة، وأعلن رغبته في تقليص الاف القواعد الأمريكية الموجودة في جميع أنحاء العالم، ونيته للتركيز على إعادة بناء أمريكا، وتقليص الصرف على المغامرات العسكرية الخارجية للهيمنة على العالم. كما لوح مراراً بأن حلف الناتو لم يعد ذو قيمة أو فائدة لأمريكا، مما أزعج الدول الأوروبية وأفزعها. وباختصار، يبدو أن أمريكا تغازل السياسة التي عرفت بمبادئ مونرو Monroe Doctrine في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث ابتعدت عن أوروبا ومشاكلها، وركزت على الأمريكات: الشمالية والوسطى والجنوبية.

ويدعي المحللون بأن حلف الناتو بلا أمريكا ليس بالمارد الجبار الذي يرعب ويردع الأعداء الحقيقيين أو الوهميين. لذلك ربما من الحكمة أن نفكر جدياً بإضافة حلفاء آخرين لنعزز أمننا وننام ليلاً مطمئنين. وقد تقدمت بريطانيا الآن باقتراح للعودة عسكرياً إلى الخليج لحفظ الأمن، وهو اقتراح مغري خصوصاً وأن علاقتنا مع بريطانيا قديمة جداً ومجربة، وكانت نسبياً سلمية وعادلة ومفيدة للطرفين. كما أن الاتفاق الآن سيكون أكثر تكافؤاً عنما كان عليه قبل مائة عام.

ولكن علينا ألا ننسى الأقوياء الآخرين. فهناك روسيا والصين، وبدونهما لا تكتمل المعادلة، خصوصاً وأن موازين القوى العالمية حالياً في قِدْرٍ على نار حامية، ولا نعلم الشكل النهائي للطبخة. والتحالف مع هذه الدول لا يعني بالضرورة تحالف عسكري، الذي قد يزعج الحلفاء الآخرين، وإنما تحالف اقتصادي وتجاري. فهناك مشروع طريق الحرير الصيني الجديد الذي سيقلب نظم وأساليب التجارة العالمية، وما زال لنا مجال للمشاركة فيه إما عن طريق الاستثمار في الاف المشاريع التي سيولدها، أو حتى في إيجاد وسيلة لنصبح إحدى محطات هذا الطريق العظيم. أما بالنسبة لروسيا، فإنها في وضع يشابه وضع أمريكا في القرن التسع عشر، مليئة بالخيرات والموارد البشرية القديرة، ويحتوي فرص استثمارية وصناعية مجزياً لاستثمار احتياطياتنا وخلق موارد دخل جديدة تدعم إيراداتنا النفطية المتقلصة – وبنفس الوقت تحمي أصولنا من مخاطر الحجز والمصادرة من خلال قانون جاستا الجائر.

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.