حلول العجز كثيرة – هل النرويج أحدها؟

حلول العجز كثيرة ، ولكنها غير كافية

تقلصت القروش فأخذنا نبحث في الأوراق الصفراء القديمة عن من نلومه لتقلص ايراداتنا ، وكذلك من نحمله مصاريفنا فيزداد صافي دخلنا. هذا شعور طبيعي جداً وينم عن حنكة تجارية متبعة في شركات القطاع الخاص. ولكن أحياناً ، حتى الشركات تفشل في إيجاد حل ومخرج من زيادة مصاريفها على دخلها ، فيفلس بعضها ، ويلجأ بعضها لتقليص حجمه كثيراً ، وقلة تجد خلاصها في الاندماج مع شركات أخرى أكبر منها ، أو مساوية لها ولكنها ناجحة ورابحة.

وتمر الكويت (والدول النفطية) الآن في هكذا مرحلة ، فقد انخفض سعر النفط فتقلصت إيرادات الدولة التي تمثل الرافد الرئيسي لدخل الأفراد على شكل رواتب المواطنين والوافدين. كما تمثل الرافد الشبه الوحيد لشركات القطاع الخاص التي تعتمد على مشاريع ومناقصات الدولة وعلى مشتريات الأفراد عند صرفهم رواتبهم.

وبتقلص ايرادات الدولة واستمرار الصرف بنفس الوتيرة السابقة ، بدأت ميزانية الدولة تحقق عجوزات مالية متتالية ومتعاظمة ، مما اضطر الحكومة على سحب ولو تدريجياً من مدخراتها. والمدخرات نوعان ، مدخرات البلد العادية الناتجة عن فوائض الميزانية العامة ، وتستخدم لتغطية أي عجوزات مؤقتة أو للاستثمار. أما النوع الثاني ، فهو مدخرات أولادنا لمساعدتهم في مواجهة المستقبل المبهم. أي أن السحب من مدخرات النوع الأول مقبول مؤقتاً ، بينما السحب من مدخرات النوع الثاني مرفوض نظرياً ، إلا في حالات استثنائية.

ولأن عجز الميزانية بدأ يلوح بالتفاقم المزمن ، أصبح واضحاً أن الاستمرار بخط السير الحالي سيؤدي إلى التطاول على مدخرات الأبناء. لذلك فكر مفكرو الدولة بعقلية تجارية ووصلوا إلى حل بديهي ، وهو الاقتراض من السوق المالي العالمي والمحلي ، خصوصاً وأن أسعار الفائدة منخفضة ورخيصة. كما دعموا هذه الخطوة بخطة للإصلاح الاقتصادي جيدة من ناحية المبدأ ، ولكن ربما تبالغ في طموحها وتحتاج لإعادة نظر في أولوياتها.

الاقتراض ، للأسف ، يتطلب سداد المبالغ المقترضة. فحتى الاقتراض بأسعار فائدة صفر لن يكون مجزياً ، إذا فشل المقترض في تحقيق فوائض يسدد منها قرضه. بل قد تتفاقم أعباء القروض لتفقر المقترض وترسله إلى الحضيض ، وأفريقيا وأمريكا الجنوبية مملوءة بالأمثلة المأسوية – فضلاً عن اليونان ودول أوروبية عديدة. فقط الدول الكبرى القوية تستطيع الاقتراض دون سداد.

ومن ناحية أخرى ، فكر بعض من الأفراد ، أيضاً بعقلية تجارية ، واكتشفوا بأن أسهل حل هو نقل بعض مصاريف الدولة إلى أطراف أخرى مثل الوافدين العاملين في الدولة ، لعل ذلك يخفف العجز ويوقف أو يؤجل زيادة الرسوم المفروضة. أي أنهم اتبعوا القاعدة التجارية التي تدعو لإلغاء الوسيط أو تقليل أتعابه.

فبين مفكرو الدولة وأفكار الأفراد يعتقد البعض بإمكانية عودة الأمور إلى وضعها السابق المريح ، وتعود الأمور جميلة.

المشكلة في هذا النهج هي تركيزه على المصاريف الصغيرة وإهمال الإيرادات المنتجة. فزيادة الرسوم بهدف ترشيد الاستهلاك لن يوصلنا أكثر من منتصف الطريق ، كما أن تطبيقه الارتجالي قد يفقر المجتمع. أما بالنسبة لمشاكسة العاملين الوافدين وتهديدهم بلقمة عيشهم ، فهذا أيضاً لن يفرز النتائج المرجوة.

المشاكل الحقيقية التي تحتاج معالجة هي مصاريف الدولة الضخمة ، بالإضافة إلى إيجاد موارد إيرادات حقيقية ومنتجة غير النفط. أما بالنسبة للعمالة الوافدة ، فهي موجودة لأداء عمل محدد واضح وبالتالي تحصل على رزقها ولقمة عيشها. إن كنا قادرين على تنفيذ هذه المهام والأعمال فمن الطبيعي عندئذٍ أن تغادر العمالة الوافدة تلقائياً. (أنظر تصوراتنا حول العجز والمنشورة في القبس 13 ابريل 2016)

تبدو الحلول المطروحة حالياً غير كافية ، وما لم يعاد النظر فيها قد تؤدي لإفلاسنا على المدى الطويل ، أو تضطرنا إلى تقليص حجمنا كثيراً فنودع حياة الرفاه التي تعودنا عليها. وأخيراً قد لا يبقى أمامنا سوى الاندماج اقتصادياً ، مع مثلاً النرويج الناجحة! ولكن انتبهوا ، فحتى النرويج قد تواجه مصاعب كبيرة من فقاعة عقارها المتضخم.

Share

3 آراء على “حلول العجز كثيرة – هل النرويج أحدها؟”

  1. مقال جميل لواقعيته و اوافق الاخت صبيحة بأن يجب على الكثير قراءته و بالأخص وزير المالية حيث انه الشخص المعني بهذا الشأن المهم و الحساس . الحلول كثيرة و لكن الأهم هو تفادي تكرار هذه المشكلة

  2. مقال ممتاز ينبغي قراءته من أكثر عدد من الكويتيين لانه شرح المشكلة بشكل مبسط وسهل وفي ذات الوقت قدم الحلول المتاحة ومخاطرها وماينقصنا الوزير السياسي الذي يعرف كيف يخاطب الناس ويحثهم على تحمل الحلول التي قدتمس جيوبهم ولكننا نفتقد حكومةً ومجلساً للسياسيين ولمن يتصدى للفساد الذي هو أهم أسباب الزيادة في المصروفات

    1. أختي العزيزة صبيحة … شكراً لرسالتك المؤيدة والتي ترفع معنويات كاتب لا يعرف إن كان جهده يقرأ أم يضيع في الأثير…
      لا شك أن الفساد يلعب دوراً كبيراً في مجتمعاتنا العربية كلها وينخرها من أسفلها إلى أعلاها … ولكن بنفس الوقت علينا أن ننتبه أن لا نحمل سوء النوايا مسؤولية جميع مصائبنا … فالغباء أكثر انتشاراً ويمكن به تفسير كثير منها ! فإحدى سبل علاج الفساد هي تنوير وتثقيف الناس وفتح عيونهم لعلهم يبصرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.