خطة الاصلاح الاقتصاد الكويتي (1 من 3)

 حلول غير تقليدية للإصلاح المالي والاقتصادي (1 من 3)

خطة “فتوش” للإصلاح المالي والاقتصادي

الفتوش سلطة مشهورة تعتمد أساساً على ما تبقى لديك من خضروات واعشاب مختلفة وخبز بايت لا تكفي بمفردها لطبخ طبخة كاملة ، فتجمعها معاً لتشكل طبقاً جديداً ولكن لا تستطيع أن تسميه سلطة خس أو ملفوف أو طماطم وإنما سميت باسم الشخص الذي اخترعها.

وكذلك بالنسبة لوثيقة الإصلاح المالي والاقتصادي للكويت التي ، بعد الاطلاع على محتواها المنشور ، تبدو وكأن الأفكار والأهداف المطروحة “بواقي” أفكار ودراسات مختلفة موجودة على الرف منذ عشرات السنين وبعضها ربما بايت. كما أن طرحها يبدو سطحي وعام مما يجعلها أقرب إلى الامنيات المكررة منذ عقود. طبعاً قد تكون هناك تفاصيل أكثر مع خارطة طريق واضحة ولكن لم نشاهدها.

يقول المثل الإنجليزي: “يتواجد الشيطان في التفاصيل” The devil is in the details . أي قد تكون النوايا جيدة إلا أن التطبيق يتطلب تفاصيل وخطوات وإجراءات في معظمها مزعج ويحارب من قبل كل من يتضرر منها أو من لا يفهم أثرها الكلي على المدى الطويل فيرى ويحكم فقط على ما هو أمام أنفه.

وباستعراض برنامج الإصلاح المالي المنشور مؤخراً في الصحف (القبس) ، يمكن التعليق السريع التالي:

التعليق على بند المصروفات:

1) يبدو قرار خفض حجم المؤسسات والهيئات التي تحت التأسيس والمستقبلية قراراً عاماً يحتوي كثير من الامنيات. كما يبدو وكأنه ردة فعل أكثر منه قرارا حكيماً مدروساً. فماذا بشأن المؤسسات والهيئات القديمة؟ خصوصاً غير المفيد منها؟ وماذا لو برزت حاجة لمؤسسات وهيئات جديدة مفيدة وضرورية؟ 

2) تلزيم المهام التنفيذية لهذه المؤسسات والهيئات وجزء من القطاع الحكومي للقطاع الخاص يتناقض من وجود هذه المؤسسات وتعفيها من مسؤولياتها. فما وظيفة موظفي الدولة إذا لم تكون تنفيذ مهام عملهم؟! 

3) اعادة تنظيم الوزارات ودراسة الاختصاصات امنيات أزلية أصبحت من ضمن الفولكلور الشعبي. وحتى لو نفذت بمعجزة ، فإنها تحتاج لسنوات طويلة لإتمامها وتفعليها ربما تكون السفينة حينئذٍ قد غرقت. وما هو الضمان بأن النتيجة ستكون التخلص من المهام غير المفيدة وإبقاء على الهام منها وليس العكس ، خصوصاً بعد تفعيل الوساطات والحسابات الاجتماعية والسياسية؟ 

4) يبدو تقليص الدعم على وقود السيارات جيد ويمكن تطبيقه فوراً. ولكن ماذا بشأن الوقود للمرافق والشركات الإنتاجية؟ من المفروض أن تشمل في هكذا ترشيد. 

5) ترشيد الماء والكهرباء أمر ضروري ولكن يحتاج لتنفيذ تدريجي ريثما يتم تحديد حقيقة التكلفة المباشرة لإنتاج الكهرباء والماء. ولكن في جميع الأحوال يحتاج للزيادة ولو بسيطة ومرحلية بهدف ترشيد أي استهلاك جائر. 

6) خفض تكاليف انتاج الخدمات الحكومية من ماء وكهرباء وصحة وغيرها تندرج تحت بند الأمنيات لأنها تحتاج لثورة كبيرة في طريقة إدارة الوزارات والمرافق العامة. وحتى إذا تحققت هذه الثورة ، فإنها تحتاج لوقت وسنوات للتطبيق. 

7) بناء مناطق سكنية جديدة أمر سهل وكان بالإمكان تطبيقه منذ ثلاثين سنة بكلفة أقل بكثير ، ولكن الإجراءات البيروقراطية وربما مصالح العقاريين لم تتوافق مع هكذا توجه. كما أن هناك دراسة (تاريخها 1988) لدى هيئة التخطيط تستنتج من بين ما تستنتج أن الشباب كانوا حينئذٍ مستعدين لقبول السكن في شقق إذا لم تتوفر الفلل. فالبناء العامودي سيوفر بلايين الدنانير من تكلفة انشاء البنية التحتية لهذه المدن ، والأهم سيوفر بلايين الدنانير من مصاريف صيانتها السنوية فيما بعد. والغريب في الأمر هنا هو أن طرح هكذا برنامج يعكس تناقضاً صريحاً مع الإصلاح الاقتصادي وتقليص المصاريف ، إذ يتوقع من الإصلاح المالي أن يخاطب ولو فلسفياً صحة مبدأ توفير السكن المجاني للمواطنين إلى أبد الآبدين. 

8) تبدو الاقتراحات بشأن الحد من زيادة الصرف في الربع الأخير من السنة المالية وتوجيه المراقبين الماليين لملاحظة ذلك وكأنها تحصيل حاصل. فهذه وظيفة المسؤولين التي يتقاضون مقابلها رواتب وامتيازات فهل نحتاج أن نشملها في خطة اصلاح مالي. أي أن نطلب من الموظفين أن يؤدوا عملهم ونعتبر ذلك انجازاً !

9) كذلك بالنسبة للحد من الأوامر التغيرية. فمن ناحية المبدأ يجب أن لا توجد أوامر تغيرية. فلو أدى المصممون والمشرفون عملهم المناط بهم ودرسوا مشاريعهم بعناية لما فتحوا الباب لهكذا احتمالات التي بدورها تفتح المجال للتلاعب عند أخذ وترسية المشاريع. 

10) كذلك تبدو فكرة زيادة مخصصات دعم العمالة في القطاع الخاص تناقضاً مباشراً مع فكرة تقليص المصاريف. خصوصاً وأن هذا البرنامج لم ينجح حسب أي مقياس. بل ربما نجح في تشجيع البعض على التحايل والغش الأمر الذي تقر به الحكومة في الخطة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مبدأ الجزرة جيد للتشجيع والتحفيز إلا أنه لا يكتمل إلا مع العصى. وبالعصى نعني إيقاف التعيينات في القطاع الحكومي مما يضطر للشباب إلى التوجه نحو القطاع الخاص بدون الحاجة لدعم مالي ، بشرط ايقاف اقامات العمل الجديدة للقطاع الخاص. 

11) تبقى فكرة رفع كفاءة أسعار ورسوم الخدمات العامة وتحسين مستواها امنيات وفي أحسن الأحوال تحتاج لوقت للتحليل الحقيقي وثم المعالجة. 

12) تبدو الاقتراحات المتعلقة بمراجعة وإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية مبهمة. فهذا موضوع خطير ويتطلب ليس فقط رؤية واضحة وإنما تريث في اللعب به قبل اتضاح مدى قابلية الخطة نفسها للتطبيق. 

13) هل نية تقليص وترشيد نفقات أجهزة الدولة 10% مبنية على خيال أم مزاج أم دراسة واقعية؟ ولماذا مثلاً لا تخفض النفقات 80% ؟

14) قد تكون نية وقف تعديل وزيادة المرتبات والمزايا خطوة في الاتجاه الصحيح ولكنها مجرد نقطة في بحر مصاريف رواتب القطاع العام. العلاج الحقيقي يتطلب جراحة لا حبة اسبرين. 

15) ترشيد مصروفات المؤتمرات والمهام الخارجية نقطة أخرى في بحر كبير. كما أنها فوائدها ومضارها غير واضحة.

التعليق على بند الإيرادات:

1) لن تزيد ضريبة أرباح الشركات إيرادات الدولة كثيراً. ففي جميع أنحاء العالم ، الدخل الضريبي الحقيقي يأتي من ضريبة دخل الأفراد. فما العمل اذن؟ الكرة في ملعبكم. 

2) كما أن غالبية إيرادات وارابح القطاع الخاص تأتي بشكل أو بآخر من صرف القطاع العام (الحكومة) على الرواتب والمشاريع. يعني هذه الضرائب ستكون بمثابة “إخذ من كيسة وعايده”. فأين القيمة المضافة الكبيرة من هكذا مبادرة ، خصوصاً وأن الاشراف على تنفيذها قد يتطلب مصاريف تفوق قيمة الضرائب الضئيلة المحصلة. هل تم فعلاً بناء نماذج مالية لهكذا مشروع وعمل جدوى اقتصادية له؟ يبدو أن الجواب هو بالنفي لأن الخطة نصت على سنتين (ربما أكثر) لدراسة الموضوع وتقييم أثره قبل تطبيقه. 

3) أما بالنسبة لاقتراح بتبني نظام ضريبي عادل وكفؤ وغير متحيز ضد الادخار والاستثمار ، فهل هذه أمنيات أخرى؟ وتنطبق على من بالضبط؟

4) أما فكرة تطبيق ضريبة القيمة المضافة (VAT) ، فهذه تبدو مفزعةً أكثر منها خيالية. فهل حقاً فهم أصحاب القرار في دول مجلس التعاون الخليجي هذه الضريبة تماماً؟ أم نصحهم بها “الخبراء” ؟ وهل سننجر إلى طريق مسدود نكتشف أنه كذلك بعد عدة سنوات من ضياع الفرص؟ فضريبة القيمة المضافة تطبق على كل سلعة أو خدمة مباعة ولكن يحق لكل من يعيد بيع هذه السلعة أو الخدمة أن يسترجع مبلغ الضريبة التي دفعها ناقصاً مبلغ الضريبة على القيمة التي هو أضافها على هذه السلعة أو الخدمة. أي أن بلايين الدنانير ستؤول للدولة وكذلك بلايين الدنانير ستسترجع من قبل كل بائع ابتداءً من دكان سندويشات الفلافل إلى مصنع البتروكيماويات. من منا يستطيع ضبط حسابته بهذه الدقة؟ فما زلنا غير قادرين على اصدار فاتورة كهرباء أو هواتف صحيحة أو في موعدها وبالكمبيوتر. 

5) مشروع إعادة تسعير خدمات الدولة يتطلب سنوات لإعادة تنظيمها وتحليل تكاليفها الحقيقية والمباشرة بدون تخمة الباب الأول والمصاريف الأخرى. ولكن لا بأس من التمني. 

6) إعادة تسعير أراضي الدولة جزء آخر من الفولكلور الشعبي. طرح من عشرات السنين ولا نعلم كم سنة أخرى يحتاج لظهور بصيص النور فيه. 

7) أما بالنسبة لتحصيل مستحقات الدولة ، فهنا أيضاً لا نعلم لماذا تضاف أعمال عادية من صميم عمل موظفي الدولة إلى خطة مستقبلية وتعتبر انجازاً إذا تحققت؟

8) تيسير تحصيل الضرائب ليس بإنجاز يخطط له بل مهمة من مهام موظفي القطاع العام. 

9) تشجيع القطاع الخاص على المشاركة مع الدولة في المشاريع الكبيرة فكرة جيدة وفي الحقيقة راجت في الستينات من القرن الماضي ولكنها للأسف ماتت لأسباب عديدة. فكرة إعادة احياءها جيدة ولكن لن تكون بسهولة الستينات. 

10) يندرج مشروع تحفيز وتيسير النشاط التجاري وتحسين مركز الكويت الإقليمي تحت بند الأمنيات إلى أن نرى كيف تنوي الخطة تحقيق ذلك. 

11) أما مشروع الخصخصة ، فهذا موضوع شائك وخطير ويتطلب نقاش عميق قبل قذف البلد في متاهاته. 

12) لا شك أن اعادة تنظيم وتوفير الأراضي سيساعد صغار التجار والمبادرين على تطوير أعمالهم ، ولكن هذا اقتراح قديم ومن الصعب الايمان الأعمى به.

تعليق على إصلاحات سوق العمل ونظام الخدمة المدنية:

1) غالبية المطروح بخصوص ما يتعلق بالبديل الاستراتيجي ، وإعادة هيكلة سوق العمل في القطاع الخاص ، ورفع كفاءة موظفي الدولة ، وإصلاح منظومة الأجور ، أمنيات غير واضحة. فأهدافها عامة وأساليب تنفيذها وتحقيقها واهية. 

2) أما فيما يتعلق بخفض المكافئات وتقنين التدريب ، فهذه نقطة في بحر مصاريف. كما تبدو سلبية تجاه تطوير الكوادر الحكومية. 

3) قد توفر الدولة نقطة في بحر عارم من المصاريف بإلغاء عضوية المتفرغين في مجالس الإدارات ولكن كذلك قد تفقد أهل خبرة كانوا يرعون مصالح الدولة في تلك المجالس. 

4) تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة أمر لم يدرس بعناية أصلاً. وبالتالي زيادة هذا التمويل قد يزيد من سلبية الوضع الاقتصادي أو ، في أحسن الأحوال ، لن يحقق الهدف السامي المرجو منه. 

5) استقطاب الاستثمارات الخارجية أقرب إلى الخيال منها الامنيات. لماذا نحتاج المستثمر الأجنبي ولماذا هو يحتاجنا. هذه معضلة تحتاج لتوضيح مقنع.

الاستنتاجات:

1) يتوقع من أي خطة أن تحتوي على أهداف واقعية قابلة للتحقق مع تبيان مبرراتها ونتائجها بالأرقام وربطها ببرنامج زمني محدد. هذا لم نراه في الخطة المقدمة التي سيصوت عليها البرلمان بما ربما يمكن وصفه : “يا ربي تجي في عينه” . الأمنيات لا توصلك إلى النجاح. 

2) لا توحي الخطة بأنها ستغير بشكل مؤثر العجز الضخم الحالي والمتنامي في السنوات القادمة. فالأثر المالي لكثير من الإصلاحات المقترحة يبدو ضئيلاً قد وصفناه مراراً كنقطة في بحر. كما لم تخاطب الخطة جوانب ذات أثر أكبر على العجز. 

3) لم تتطرق الخطة بتاتاً إلى جانبين مهمين في اقتصاد أي بلد ، وهما السياسة النقدية للدولة وإلى التجارة الخارجية وما يترتب عليهما من اثار إيجابية وسلبية على الاقتصاد. 

4) وكالعادة افتقرت الخطة إلى الدعم الإعلامي الفعال والضروري واستعيض عنه بإثارة الهلع بين الناس وشوشرت وارباك أراء عامة الشعب. فعدم وضوح الخطاب الحكومي وعدم التزامه بتصريحات متناسقة غير متناقضة يثير الريبة بشأن مدى فهم المسؤولين عن الخطة لأبعاد المشكلة وقدرتهم على إيجاد الحلول لها. فالجري في اتجاهات معاكسة كالدجاجة التي قطع رأسها لا يوحي بثقة كبيرة.

فما هو الحل؟

1) لا بد من تجزئة الخطة إلى فترات زمنية مثل فورية ، وقصيرة المدى ، ومتوسطة المدى ، وطويلة المدى مع تبيان أهداف كل فترة ونتائجها المتوقعة وأثرها على الاقتصاد والمجتمع ومعززة بالأرقام. ولكن لأن مشكلة هبوط أسعار النفط ظهرت فجأة (فقط قبل سنتين!) ربما لم يتسنى للمسؤولين التجهيز لذلك. 

2) ولأن أمر معالجة العجز يتطلب دراسة مستفيضة قد تستغرق وقتاً طويلاً ، ربما من الأفضل التركيز الآن على إيجاد وتطبيق الحلول الفورية وقصيرة المدى إلى أن تجهز الحلول الأطول ، فلا نضيع مزيداً من الوقت. كما يمكن دائماً تدارك وتعديل أي علاج قصير المدى بدون تكبيد المواطنين والاقتصاد أضراراً كبيرة. 

3) سنقدم في المقالات اللاحقة اجتهاد ورؤية لما يمكن عمله فوراً وعلى المدى القصير لمعاجلة مشكلة عجز ميزانية الدولة وتصحيح مسار الاقتصاد ، وبذلك نأمل أن نفتح المجال لحوار مدني عاقل ومنتج لعلنا معاً نجد وسيلة توصلنا إلى برّ الأمان.

Share

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.