اصلاح الاقتصاد الكويتي (2 من 3)

حلول غير تقليدية للإصلاح المالي والاقتصادي
استعراض المشكلة  (2 من 3)

المشكلة الحالية التي تواجه الكويت هي هبوط سعر النفط ابتداءً من سنة 2014 من مستوى حوالي 120 دولار للبرميل ليصل حوالي 20 دولار في أواخر 2015 ، وهو الآن يحوم حول مستوى 30 دولار. وبالرغم من توقعات البعض باحتمال صعوده خلال سنة أو سنتين إلى مستويات بين 40 – 60 دولار إلا أنها ليست مضمونة. أما شبه المضمون هو أن السعر لا يمكنه الصعود كثيراً فوق مستوى 70 دولار لأن عند ذلك المستوى ينطلق وبغزارة انتاج النفط الحجري المنافس في أمريكا وغيرها ، وهو الذي كان في الأساس أحد أسباب هبوط الأسعار. كما أن هناك احتمال قوي بأن يتقلص استخدام النفط وما شابهه من وقود هيدروكربوني خلال الثلاثين سنة القادمة وإحلال محله الطاقة المتجددة من شمسية ورياح. فقد وقعت جميع دول العالم في أواخر 2015 معاهدة الطاقة النظيفة في مؤتمر البيئة في باريس التي الزمت العالم على التوقف التدريجي عن استخدام النفط مع موعد للتوقف النهائي في سنة 2045 ، أي بعد 33 سنة فقط.

يفترض بأن ميزانية الكويت تحتاج حالياً لسعر نفط حوالي 60 – 70 دولار للبرميل حتى تتوازن. أقل من ذلك تحقق عجزاً وأعلى من ذلك تحقق فائضاً. كما أن بند المصاريف في تزايد مستمر سنة بعد سنة وقد تضاعف حوالي أربع مرات خلال العشرين سنة الماضية. مما يعني أن خلال عشرة سنوات قد نحتاج لسعر 120 دولار للبرميل لتغطية مصاريف ميزانية الدولة.

والكويت تتشابه مع حوالي 80 دولة أخرى في العالم في أن اقتصادها يعتمد على مصدر دخل واحد فقط. وتتواجد معظم هذه الدول في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وبقية العالم الثالث. ولأن هذا المصدر الوحيد هو عادة سلعة طبيعية خام ، فإنه يقبع تحت رحمة الأسعار العالمية المتقلبة ، فتمر هذه الدول في طفرات عارمة من البحبوحة عند صعود الأسعار العالمية وفي كساد عميق عند هبوطها.

ومؤخراً فقط (خلال العقد أو العقدين الماضيين) بدأت بعض هذه الدول محاولة تنويع اقتصاداتها لتقليل اعتمادها على هذه السلعة الوحيدة. وقد أفلح بعضها وفشل بعضها وما زال البعض يحاول. فتنويع الاقتصاد ليس أمراً سهلاً ولا يمكن تطبيقه فوراً بل يحتاج لسنوات طويلة من التخطيط والتوجيه والدعم والعناية ، تماماً كما تربي طفلاً من مرحلة الرضاعة حتى يصبح شاباً يافعاً يتدبر أمور رزقه وحياته بنفسه بدون دعم والديه.

والكويت تعتمد على إيرادات النفط بشكل شبه كلي. فغالبية المواطنين بالإضافة إلى عدد كبير من الوافدين موظفي دولة ويتقاضون رواتب يصرفونها على معيشتهم الرغدة بما في ذلك الشراء من شركات القطاع الخاص التي تعتمد شبه كلياً على ايراداتهم. كما أن معظم شركات القطاع الخاص تؤدي خدمات مختلفة من مقاولات وتزويد لمؤسسات الحكومة التي بدونها لن تستطيع الاستمرار ولا توظيف كوادرها من الوافدين. ومع نمو مشاريع الحكومة وصرفها على التنمية وعلى تشغيل الدولة ، ازداد عدد الوافدون مما زاد الطلب على الشقق السكنية والمشاريع العقارية وعزز الطلب على السلع الغذائية والاستهلاكية وغيرها. ملخص ما سبق هو أن النفط هو الأساس ، فإذا ذهب ذهبت معه سبل العيش الكريم الذي تعودنا عليه لجيلين من الزمن.

وعند تقلص إيرادات النفط دون مستوى المصاريف ، قد تختار الحكومة أن: 

1) إما تستمر في مستوى الصرف السائد (أو تقننه قليلاً أو تدريجياً كما يبدو أنها تنوي فعله الآن) على أمل أن تعود الأسعار للصعود ، فيغدو الشر.

2) أو تتحزم وتطلق مبادرة شجاعة ولكن مزعجة للجميع وتنفذ إصلاحات اقتصادية جوهرية وإن كانت على مراحل. 

3) وفي كلتا الحالتين عليها أن تصحب ذلك بخطوات جادة وواقعية لتنويع موارد العمل والدخل في الاقتصاد.

كنا قد استعرضنا وثيقة الإصلاح المالي والاقتصادي في المقالة السابقة وعلّقنا بأنها تميل إلى الأمنيات بالإضافة إلى حلول مكررة منذ عقود من الزمن وبعضها واهي وغير واضح. كما ذكرنا بأن الوفر في المصاريف الذي تتوقعه الخطة من الإصلاحات المذكورة يبدو وكأنه نقطة في بحر عارم. أي أن التقنين قد يكون قليلاً ويستغرق سنوات قبل أن تبدأ وتظهر اثاره وهذا سلبي ويشكل خطراً.

فالخطورة في خيار الاستمرار في الصرف السائد (أو المقنن قليلاً) هي أنه في حال عدم صعود أسعار النفط بشكل كافي لتغطية المصاريف ستضطر الدولة على تسييل مدخرات البلد المتمثلة بالاحتياطيات وعندئذٍ من شبه المستحيل تعويضها وإعادة جمعها ضمن الظروف العالمية الجديدة التي ذكرناها. فإذا ذهب الاحتياطي ذهبت معه امال البلد.

كما يمكن للحكومة أن تقترض بسهولة الآن محلياً وعالمياً لتغطية العجوزات السنوية. ولكن إذا لم يتلحلح سعر النفط لأعلى وبشكل كبير ستكتشف بأن قدرتها على الاقتراض سرعان ما ستستنزف ، وعندئذٍ ستتدبس البلد بديون تتوارثها عدة أجيال مع أعباء فوائدها المصرفية المتزايدة. وحتى في حال الاقتراض ، فإن السداد ، في حال عدم صعود سعر النفط ، سيكون من خلال تسييل الاحتياطيات.

كما يمكن للحكومة أن تراهن على أن يصاب منتجو النفط الآخرين بنكسات مالية أو سياسية تؤول دون تمكنهم من استخراج النفط أو توفير الاستثمار الضخم الضروري للمحافظة على إنتاجية الآبار وتطويرها واستكشاف الجديد منها. ولكن الاعتماد على هكذا احتمال يدخلنا في مجال المقامرة ، ولا يجوز للدول أن تلعب روليت.

كذلك يمكن للحكومة زيادة الإيرادات من خلال زيادة انتاج النفط. وهي تتجه الآن نحو زيادة قدرتها الإنتاجية من 3 مليون برميل باليوم حالياً إلى 4 مليون برميل خلال بضعة سنوات. هذا جيد إذا كان سعر النفط عالياً أو يتوقع له الصعود بقوة. ولكن إذا بقيت الأسعار منخفضة عند مستوياتها الحالية فإن زيادة الإنتاج قد تزيد من هبوط الأسعار أو لن تولد زيادة في الإيرادات. وإذا عرفنا أن زيادة هذه الطاقة الإنتاجية ستكلف استثمار 40 بليون دولار (12 بليون دينار) فإن هذه الخطة تثير بعض التساؤلات مثل: هل تم وضع خطة الإنتاج قبل هبوط الأسعار ولم يتم إعادة تقييمها بعد الهبوط؟ ما أثر زيادة انتاج النفط على الأسعار؟ هل بالإمكان تأجيل هذه التوسعة ومصاريفها إلى أن تتضح الرؤية؟ أم هل لدى القطاع النفطي رؤية ومعلومات لا نعلم عنها؟

وعملية تنمية وتطوير موارد وروافد دخل أخرى بديلة للمصدر الوحيد هي عملية شاقة ومعقدة وتستغرق وقتاً طويلاً. وبالموارد البديلة لا نقصد مشروع مطعم سندويشات أو حلويات وإنما سلع وخدمات قابلة للتصدير للحصول على إيرادات خارجية أو انتاج سلع وخدمات محلية تحل محل ما هو مستورد أو تجذب أموال خارجية وفي كلتا الحالتين تولد فرص عمل للمواطنين الشباب.

ولكن خيارات تنويع مصادر الدخل محدودة. فليس لدينا متطلبات مهمة وأساسية مثل:

1) مواد أولية وخام للتصنيع. 

2) عمالة ماهرة. 

3) سوق محلي كبير نبدأ به ومنه ننطلق للخارج. 

4) قدرة على البحوث العلمية والصناعية لتطوير صناعات ومنتجات متميزة. 

5) وطبعاً ليس لدينا ما يمكن به جذب السواح لبناء ، كما يحلم البعض ، صناعة سياحة.

ربما يمكن التفكير بالصناعات البتروكيماوية على أساس أن موادها الخام متوفرة محلياً. ولكن بقية المتطلبات الأخرى مفقودة مما سيجعلها صعبة النجاح أو في أحسن الأحوال متوسطة النجاح. كما يمكن تصنيع بعض المنتجات البسيطة التي قد تحل محل بعض ما نستورده من الخارج بشرط أن تكون بجودة يتقبلها المستهلك وعندئذٍ يمكن تصدير بعضها إلى الدول المجاورة وربما إلى أبعد من ذلك.

طبعاً هناك استثناءات مثل شركة أجيليتي التي انتقلت إلى العالمية وعدد آخر قليل نذكر منها شركات الخرافي ، وزين ، والبنوك ، والغانم ، والمجموعة المشتركة ، مكتب المهندس الكويتي. ولكن ليس من الحكمة تخطيط مستقبل أمة على استثناءات قد تتحقق أو قد لا تتحقق. وفي جميع الأحوال تستغرق هذه العلمية سنين طويلة بدون ضمانات لنجاحها. فكم استغرق تطوير وتحويل أجيليتي إلى مستوى العالمية وكم شركة أخرى بنفس تخصصها فشلت أو لم تنجح بنفس القدر.

الحكمة إذن تشير إلى أن أفضل خيار أمامنا هو الخيار الأصعب فهو الأكثر احتمالاً للنجاح في علاج مشكلتنا. وهذا هو خيار عمل إصلاحات جوهرية وفورية على المدى القصير بالإضافة إلى بدء تنويع موارد الاقتصاد.

لا شك أن هكذا خيار سيكون صعباً ومزعجاً لمن سينفذه وكذلك صعباً ومزعجاً للشعب الذي سيضطر للتضحية وتحمل انكماش دخله المالي. ولكن نعتقد بأنه من الممكن تخفيف الاثار السلبية باستخدام حلول غير تقليدية.

Share

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.