الاصلاح الاقتصادي الكويتي (3 من 3)

الاصلاح الاقتصادي الكويتي (3 من 3)

الخطة المختلفة

ذكرنا في المقالتين السابقتين أن إيرادات النفط المرتفعة ضرورية وأساسية لتوازن ميزانية الكويت وأن هبوط الأسعار الذي نمر فيه منذ سنيتن قد ولد عجزاً يتوقع أن يصل سنة 2015/2016 إلى 8 مليار دينار كويتي و 12 بليون دينار في 2016/2017 . وذكرنا بأن احتمال عودة الأسعار إلى ما كانت عليه ليست فقط ضعيفة بل قد تضمحل تدريجياً حتى تتلاشى خلال الثلاثين سنة القادمة بإحلال الطاقة البديلة.

ولأن اقتصادنا يعتمد شبه كلياً على إيرادات النفط لضمان بحبوحة العيش للمواطنين (والوافدين) ، فإن تقلص إيرادات النفط يعني نهاية لكل لذلك. وما لم يصعد سعره كثيراً ويبقى مرتفعاً (وهذا احتمال ضعيف) ، لن تفيدنا الاحتياطات المالية الضخمة على المدى الطويل ، ولن يفيدنا الاقتراض لسد العجوزات خصوصاً وأن الاقتراض أكثر خطراً لأننا نورّث القروض للأجيال القادمة محملةً بأعباء فوائد مصرفية متزايدة ومرهقة مما يعني أنها في النهاية كذلك ستتلي على وتستنزف الاحتياطات. (جدول رقم (1) يعرض الأرقام التقديرية لميزانيات الدولة ويوضح خطورة الوضع المالي).

Reform 1

أما خطة الإصلاح المالي والاقتصادي التي طرحتها الحكومة مؤخراً ، فتبدو غير واضحة بسبب طغيان العموميات والأمنيات عليها. وهي في المحصلة لا تقدم حلول على المدى القصير مما يعني أن نتائجها المرجوة إن وصلت ستصل متأخرة وربما بعد فوات الأوان. وبالرغم من ذلك ، فإن الخطة “الوثيقة” جيدة من ناحية المبدأ إلا أن خطوطها عريضة جداً وتحتاج لتوضيحات كثيرة ولتفاصيل أكثر وثم تحتاج لنقاش عميق للاطمئنان على فعالية وواقعية أهدافها مما يعني أنها ستحتاج لسنوات للظهور الفعال.

إذن لا يوجد في الميدان أي حلول للمدى الفوري والقصير ، وهذه هي الفترة الهامة والأساس الذي يبنى عليه للمدى الأطول. لذلك فمن الضروري التحرك على المديين الفوري والقصير لوقف النزيف. كما أن هكذا تحرك سيوفر مبالغ طائلة ويضع البلد على درب واضح وسليم نحو إصلاح اقتصادي حقيقي وفعال.

الحلول غير التقليدية المقترحة:

يمكن أحياناً للشركات الصغيرة (وكذلك الدول الصغيرة) أن تسير عكس التيار أو تطير خارج السرب بدون أن يؤثر ذلك على السرب أو يثير ردة فعله. وعليه فإن الحلول التي نقدمها هنا غير تقليدية وبعضها قد يعتبر لدى البعض كفراً اقتصادياً. ولكن الحالات الاستثنائية تتطلب حلولاً استثنائية ، وهناك امثلة واقعية ونظرية تبرر ذلك.

فبيت القصيد هو أن ايرادات الكويت الرئيسية تأتي من بيع النفط بالدولار بينما مصاريفها الضخمة داخلية وبالدينار. كما أنها تستنزف جزءً كبيراً من ايراداتها بالدولارات في استيراد استهلاكي غير مفيد لتنمية الاقتصاد. وبينما قلص هبوط أسعار النفط إيرادات الكويت بالدولارات إلى الخمس تقريباً ، نجد أن المصاريف بالدينار استمرت في النمو. وإذا استمر الأمر على هذا المنوال فإن العجوزات المتتالية ستأكل الاحتياطي خلال 10 – 20 سنة . ولأن الاحتياطيات صعبة التعويض فإن مستقبل البلد معرض للدمار.

ويبدو أن هناك شبه اجماع على استحالة معالجة خلل الميزانية وبند الرواتب بالذات مما يعني أن العلم الأبيض قد رفع واستسلمت الغالبية للكارثة الآتية على شكل ارتطام قطار الاقتصاد عاجلاً أم آجلاً بحائط خرساني.

وبالرغم من ذلك ، نعتقد بأن هناك حلول تعالج العجز على المدى الفوري والقصير (وكذلك المتوسط) وتوفر مساحة من الوقت لاستكمال العلاجات الأخرى التي تتطلب زمن أطول. وتتركز الحلول التي نقدمها هنا في أولاً زيادة فورية للإيرادات الحكومية ، وثانياً اصلاح كلفة وأداء الخدمات الحكومية ، وثالثاً الاستثمار في وتملك مشاريع خارج البلاد.

أولاً: زيادة إيرادات الحكومة 

وتتركز زيادة إيرادات الحكومة في تخفيض سعر صرف الدينار ، وزيادة رسوم الجمارك خصوصاً على سلع مختارة ، وفرض ضريبة سهلة خاصة على بعض المبيعات المختارة Excise Tax .

1) تخفيض سعر صرف الدينار (ينفذ على المدى الفوري والقصير) 

يكره الاقتصاديون تخفيض العملة لأنها نظرياً تشجع على ظهور غلاء الأسعار. وقد يكونوا على صواب في معظم الأحيان. إلا أن هناك حالات تستدعي تخفيض العملة وأهمها اختلالات في التجارة الخارجية وميزان المدفوعات. وتختلف الكويت في أن الخلل الذي تشتكي منه ليس في ميزان مدفوعاتها الخارجية الذي هو قوي وفي الموجب ، وإنما في ميزانية الدولة التي تحتاج إلى لدنانير أكثر لتغطية مصاريفها.

مبررات تخفيض سعر صرف الدينار:

1) ستتعدل ميزانية الدولة فوراً نحو التوازن (ويتوقف مقدار التوازن على مقدار الخفض).

2) معظم احتياطيات الكويت بالدولار أو بالعملة الأجنبية مما يعني أن تخفيض سعر الصرف سيزيد فوراً من قيمتها بالدينار. 

3) لن يؤثر على سعر النفط لأنه مسعر بالدولار. 

4) قد تشجع وتنشط قطاع التصدير من الكويت لأن السلع ستبدو أرخص للمستوردين الخارجيين. 

5) ستخفض الاستيراد ومعظمه استهلاكي. 

6) قد تشجع العمالة الهامشية على المغادرة الطوعية لتقلص قيمة ما يحولونه لأهاليهم. 

7) لن تتأثر كثيراً كلفة المشاريع الحكومية لأن إيرادات الحكومة بالدولار وهذه لم يتغير حجمها. كما تستطيع الحكومة دفع قيمة استيراد مواد ومعدات المشاريع الحكومية مباشرة بالدولار. بل تستطيع تحقيق وفر في مشاريعها من خلال شراء المواد وطلب من المقاولين تزويد العمالة والإدارة للتنفيذ. 

8) ليس بالضرورة أن تنطلق جولة غلاء كبيرة نتيجة لتخفيض الدينار. فإن توقيت التخفيض الآن يبدو مناسباً جداً والعالم ككل يمر بتباطؤ اقتصادي ونزول أو فتور في الأسعار العالمية مما يعني أن أُثر الغلاء قد يكون في حدود نسبة تخفيض سعر الصرف العملة.

9) قد تسهل إمكانية تنفيذ البديل الاستراتيجي وبكلفة أقل. وذلك من خلال رفع الرواتب بالدينار للفئات المظلومة لتتساوى مع الفئات الأعلى.

الإجراءات المرادفة لخفض سعر صرف الدينار: 

لدرء قدر المستطاع أي أضرار محتملة على المواطنين ، يجب: 

1) إبقاء الدعم الأسري على المواد الغذائية وبعض الأساسيات الأخرى. ولكن يمكن الاستمرار في رفع أسعار الوقود والكهرباء بشكل تدريجي من باب ترشيد الاستهلاك وكذلك إلى أن تتضح الكلفة الحقيقية للكهرباء. 

2) يجب الاستمرار في تقليص مصروفات الإدارة الحكومية.

2) زيادة رسوم الجمارك على السلع الاستهلاكية. (تنفذ على المدى الفوري والقصير): 

بلغ حجم استيراد الكويت في 2014 حوالي 31.5 بليون دولار. ومكوناته الرئيسية هي سيارات ومركبات بما يعادل 5 بليون دولار (15.75% من اجمالي استيراد البلد!!) ، معدات 11.49% ، معدات كهربائية والكترونية 11.22% ، ومجوهرات وما شابهها 4.72% (انظر الجدول رقم (2) الاستيراد عبر عدة سنوات). هذه نسب عالية جداً لسلع معظمها استهلاكية أو كماليات. نرى إمكانية توليد إيرادات فورية للميزانية من هذا الاستيراد بفرض رسوم جمارك إضافية ومرتفعة على السيارات بمقدار 100% ، و المعدات 50% ، و على الكهربائيات والالكترونيات 100% ، وعلى المجوهرات 100% .

Reform 2

3) فرض ضرائب على شكل رسوم Excise Taxes (تنفذ على المدى الفوري والقصير): 

النمط الاستهلاكي في الكويت مرتفع جداً ويتحمل التقنين. ولأن ضريبة القيمة المضافة المقترحة في “الوثيقة” معقدة وتحتاج لسنوات للتطبيق ، نرى أنه من ألأفضل والأسهل تطبيق ضريبة رسوم خاصة على بعض السلع Excise Taxes . وتتميز هذه الضريبة في أنها تولد إيرادات جيدة للدولة وكذلك تقنن وتهذب الاستهلاك المفرط في بعض السلع. ويمكن تطبيق هكذا ضريبة على السيارات والكماليات والتبغ والعطور…إلخ.

نتيجة تطبيق الحل المتعلق بزيادة إيرادات الدولة على المدى الفوري/القصير:

لو افترضنا تخفيض سعر صرف الدينار فوراً بمقدار 30% ، وفرضنا رسوم جمارك مرتفعة على السيارات والكماليات ورسوم أقل على السلع الأخرى وأعفينا المواد الغذائية ، فإن الصورة التقديرية معروضة في جدول رقم (3) . وهذا مع العلم أن هذه الأرقام ربما تحتاج إلى مراجعة لتتطابق مع الميزانيات الفعلية. كما أن الجمارك المقترحة هنا هي إضافية للرسوم للمفروضة حالياً.

Reform 3

ما نسبة تخفيض الدينار؟ 

نبين في الجدولين التاليين (رقم 4 و 5) حجم الفائض أو العجز في حال استخدام نسب مختلفة لخفض سعر صرف الدينار. ولكن نفضل خيار تخفيض 30% (أو أكثر) لمحاولة تغطية أي تقلص غير محسوب في الإيرادات ناتج مثلاً عن تقلص الاستيراد بسبب الجمارك المرتفعة والضريبة الخاصة. وكذلك لتغطية احتمال الاستمرار في نمو المصاريف ولو بوتيرة أقل ، أو زيادة التكاليف الدينارية لبعض المشاريع الحكومية ، أو أي احتمالات أخرى.

Reform 4

Reform 5

ثانياً: اصلاح كلفة وأداء الخدمات الحكومية: (تنفذ على المدى الفوري والقصير والمتوسط):

لا يكتمل أي إصلاح بدون معالجة حجم العمالة الحكومية والبطالة المقنعة التي ليس فقط ترفع كلفة الخدمات وإنما فشلت في تقديم خدمات جيدة مقبولة من الجميع. لذلك نقترح البدء الفوري في تطبيق:

1) نقل الجزء الأكبر من موظفي الدولة إلى السلك العسكري. (ينفذ على المدى القصير): 

نشرنا قبل شهر مقالة عن هذا العلاج الفوري الذي يوصي بنقل الجزء الأكبر من موظفي الدولة إلى السلك العسكري (غير القتالي) وبالتالي تحرر وزارات ومؤسسات الدولة من البطالة المقنعة ويسمح لها إعادة تنظيم نفسها لتقديم خدمات أفضل وبكلفة أقل بكثير. وتتميز هذه التوصية بأنها لا تقطع أرزاق المواطنين المنقولين للسلك العسكري وإنما تفيدهم من ناحية تقييم قدراتهم المهنية وثم تدريبهم وإعادة تأهيل مهاراتهم للعمل المنتج إما داخل مؤسسات الحكومة أو في القطاع الخاص أو لحسابهم الشخصي.

2) إعادة تنظيم وزارات الدولة على أساس الموظفين المتبقين. (تنفذ على المدى القصير والمتوسط): 

بعد نقل الجزء الأكبر من موظفي الدولة إلى السلك العسكري ، تقوم وزارات ومؤسسات الدولة بإعادة تصميم دورات العمل لديها مستخدمة الأساليب العلمية والإدارية الحديثة وذلك بهدف زيادة الإنتاجية بأقل كلفة ممكنة.

ثالثاً: الاستثمار في وتملك مشاريع خارج البلاد: (تنفذ على المدى القصير والمتوسط والطويل):

كتبنا مراراً وآخرها في المقالة السابقة ، أن خيارات الكويت لتنويع موارد الدخل محدودة جداً. فمعظم المتطلبات الضرورية غير متوفرة. لذلك من الأفضل والأكثر جدوىً أن تستثمر الحكومة (بالاشتراك حيث أمكن مع القطاع الخاص والأفراد) مباشرة في مجالات صناعية وتجارية وخدماتية وزراعية وجميعها خارج الكويت. وذلك بهدف: (أ) تحقيق عوائد جيدة على الاحتياطيات ، (ب) خلق فرص عمل للشباب الكويتي المؤهل ، (ج) تحرير الكويت من المضار الكثيرة للتصنيع. وقد أوصينا البدء بها فوراً مع العلم بأنها مشروع طويل الأمد وذلك لأنه كلما أسرعنا اليوم في تملك المشاريع والعالم يمر في كساد ، كلما وجدنا فرص استثمارية أرخص نسبياً وازدادت عوائدنا المحتملة.

الخلاصة:

يبدو أن الحلول للمدى القصير غائبة ، والخيارات محدودة ، والوقت يجري بسرعة ومعه تتآكل الاحتياطيات مما يزيد الهلع ويزيد احتمالات ظهور قرارات ارتجالية وجزئية كردة فعل لا كتخطيط متأنٍ حكيم. قدمنا في هذه المقالة مسودة سريعة لحلول فورية ولمدى القصير وعرضناها في نموذج مالي بسيط تقديري لعلها توضح بأن الوضع حقاً صعب ولكن يمكن إيقاف أو إبطاء تدهوره المتسارع.

لا شك أن أي حل أو علاج سيكون مؤلماً ومزعجاً جداً خصوصاً على الشعب ، ولكن عندما تصيب الغرغرينا (لا سمح الله) ابهام رجلك فأمامك خيار بتر الابهام ، وفي حال التأخر ستضطر إلى بتر الرجل كاملة ، وفي حال التردد مرة ثانية سيتسمم الجسم وتموت. نحاول في اقتراحنا هنا استباق تسمم الابهام ومحاولة العلاج بالدواء المبكر.

Share

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.