الانتخابات الكويتية – بين التشاؤم والتفاؤل

الانتخابات الكويتية – بين التشاؤم والتفاؤل

ballot-32201_640

أينما تنظر أو تجلس لا ترى ولا تسمع إلا عبارات تشاؤمية حول الوضع السياسي في الكويت ، الذي بدوره يستخدم لتفسير الوضع الاقتصادي المتردي. وهذا يشمل مجالس المثقفين والقياديين في مجالاتهم المهنية ، وكذلك يشمل العامة في تداولاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تحتوي على كمٍ كبير من الاشاعات ، والتكهنات ، والمعلومات المغلوطة ، وأحياناً جزء غير مكتمل من حقائق تفسر على هوى مؤلفها.

من المسؤول عن كل هذا التشاؤم؟ لا شك أن الجزء الأكبر يقع على الحكومة ومؤسساتها المقصرة في مهمة الإعلام المستمر لاطلاع الشعب على الأوضاع أولاً بأول ولتفسير قراراتها. والجزء الثاني يقع على الصحافة التي لا تبذل الجهد الكافي للبحث عن المعلومات وتحليلها بعيداً عن العناوين الصاعقة ، وأحياناً الضارة ، بهدف ترويج مبيعاتها. أما الجزء الثالث فيقع على سلبية الذين من المفروض أن يساهموا بالتطوير والنمو.

التشاؤم والتفاؤل أمر نسبي يتوقف على حالة الشخص نفسه ، وعلى مستواه المعرفي وخبراته. فبينما يرى المتشائم الكأس نصف فارغاً ، يراه المتفائل نصف مليء – وهو نفس الكأس ويحتوي على نفس كمية الماء.

المتشائم

ومن هذا المنطلق ، يمكن للمتشائم أن يرى الظلام في كل مكان ، ولأنه لا يمتلك حلولاً واقعية وسلمية ، يتحول إلى السلبية. لا عيب في عدم معرفة الحلول المناسبة ، فقد لا يكون موضوع التشاؤم من ضمن اختصاصات المتشائم وخبراته ، ولكن من الخطأ أن يسمح للسلبية أن تطغى عليه فيحصر جهوده في إما الانتقاد العسير الجارح ، أو التهويل ، أو المقارنة بالماضي البعيد – أو جميعها.

أ) فكلنا يعلم بأن الانتقاد الجارح لا يجد إذناً صاغية ، فهو أداة استفزازية تُوَلِّدُ ردة فعل عكسية مشابهة أو أسوأ ، فتضيع المشكلة في دهاليز الجدال العقيم والمناطحة المؤذية. فإذا كنت ترغب بالإصلاح ، وليس بالقتال ، دع عنك الانتقاد الجارح. بل من الأنفع سماع آراء الحكماء والاخصائيين وتبني توصياتهم وتركيز جهودك في المطالبة بها – بشرط انها واقعية وعملية.

ب) أما التهويل بلا سند ، فهذا ضار للجميع. فهو يرعب العامة ويدفعهم للانفعال والتصرف غير المتأني ، فيبعدهم عن الهدف ويزيد الأمور سوءً. كما أنه قد يربك تخطيط وتنفيذ الإصلاحات وحتى المتواضع منها ، فيؤجلها ويؤخرها وربما يلغيها. لا يصلح التهويل الارتجالي في مجتمع مرتاح ورعوي مثل المجتمع الكويتي – فالتاريخ يؤكد بأن الدولة لا تتخلى عن مواطنيها.

ت) وأخيراً ، المقارنة الدائمة بالماضي تجعل الجيل الجديد يتوهم بأن الوضع كان “يوتوبيا” أفلاطون وقد تدهور من القمة. فالتركيبة السكانية الصغيرة حينئذٍ ، وتشكيلها الديموغرافي ، والمستوى التعليمي والثقافي السائد ، وشح الموارد ، وطبعاً ضعف ذاكرة المتذكرين ، لا تشير إلى أن الوضع كان أفضل من الحالي ، خصوصاً لأي باحث أمين. فلنركز على الوضع الحالي وعلى المعطيات الحالية ، ودعونا من الماضي ، فهو جميل فولكلورياً ، ولكن لا يصلح للقرن الواحد وعشرين.

المتفائل

وبالمقابل ، يرى المتفائل أن الكويت متقدمة جداً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً مقارنة مع ما كانت عليه قبل ستين سنة. كما أنها متقدمة حالياً مقارنة بالدول العربية ودول العالم الثالث وغيرها. وبالرغم من ذلك ، يقر المتفائل بالأخطاء الإدارية التي ترتكب بين الحين والآخر ، ولكنه يؤمن بأنها قابلة للمعالجة والتصحيح من خلال النقد البناء المستمر وجهود المصلحين. كما أنه يعترف بحدوث بعض بالتراجعات في الحريات والثقافة والاقتصاد ، ولكن يرى أن الكويت ما زالت في مركز مرموق نسبياً وتحتاج لتعديل مسار ، فلا يستسلم ولا يتقوقع ، بل يزيد جهوده لعكس هذه التراجعات ودفعها إلى الأمام.

كيف نتعامل مع الانتخابات القادمة؟

وبمناسبة قرب موعد الانتخابات البرلمانية ، يتخوف المتشائمون من فوز من لا يرونهم صالحين. ولكن الانتخاب تجسيد لكلمة الشعب ، كان واعياً أو غير ذلك ، ولا بد من احترام هذه الكلمة والقبول بها. ولكن هذا لا يعني الاستسلام لها ، بل يمكن عمل الكثير لدرء أضرارها المحتملة. ومن هذه الأعمال:

أولاً: ما قبل الانتخابات: 

1) تحديد مواصفات النائب المثالي التالية ، والترويج لها:

أ‌) أن يكون ضد الفساد ولا تشوبه شبهات.

ب‌) ليس له مصالح شخصية أو تجارية تطغى على قراراته. ويستطيع التَرَّفُع عن مصلحته أمام المصلحة العامة.

ت‌) يؤمن بالحريات العامة والخاصة ، بدون استثناءات.

ث‌) يفقه في الاقتصاد وليس فقط في التجارة والعقار والمضاربة. ولا ينجرف وراء العناوين الرنانة.

ج‌) يؤمن بضرورة ترشيد إنفاق القطاع العام ، بدون تدمير الاقتصاد أو الضرر بمحدودي الدخل.

ح‌) يؤمن بضرورة الدراسة والتأني في إصدار القوانين والتشريعات ، خصوصاً تلك التي تشوبها شبهات.

خ‌) ضد الواسطة ولا يستخدمها في غير رفع المظالم الحقيقية.

د‌) يؤمن بالعدل والمساوة في المجتمع ، بغض النظر عن العرق والدين والمذهب والانتماء العائلي أو الاجتماعي.

ذ‌) يفقه في العلاقات الدولية ومستعد لسماع الآراء المخالفة قبل أخذ قرارته.

ر‌) مستعد لكشف عن ذمته المالية قبل خوض الانتخابات.

2) رصد تاريخ كل مرشح كان عضواً سابقاً وتبيان مواقفه وكيف صَوَّتَ تجاه المواضيع المتعلقة بمواصفات النائب المثالي المذكورة أعلاه. كما لا بد من مواجهته بنتيجة هذا الرصد وسماع تعليقاته وتبريراته – وكذلك أخذ منه وعود للمستقبل.

3) مقارنة أي مرشح جديد مع قائمة المواصفات الحميدة من خلال الاستفسار عنه ومن خلال سؤاله مباشرة عن مواقفه.

ثانياً: ما بعد الانتخابات: 

1) رصد مستمر لقرارات النواب وتصويتهم ومقارنتها مع ما تعهدوا به. وثم نشرها في جدول شهري يصبح فيما بعد سجلاً يدعم الجيد ، ويعاقب غير الملتزم ، في الانتخابات القادمة.

2) دعوة النواب لسماع المحاضرات أو المناقشات العامة أو الخاصة حول المواضيع التي تهم البلد وتؤثر عليه.

3) تشكيل وفود لزيارة النواب والتحاور معهم وحثهم لقبول مقترحات مفيدة للبلد ، أو التراجع عن ما هو ضار.

طبعاً هذا جهد كبير يتطلب أكثر من شخص لمتابعته ، ولكنه ضروري وسيكون فعالاً إذا كان منظماً ومصحوباً بزخم إعلامي قوي. لذلك هذه فرصة فريدة للمتشائمين والمتفائلين أن يتحدوا لتشكيل منظمات أو هيئات مجتمع مدني ، حيادية التوجه السياسي والعرقي والمذهبي ، بهدف المساهمة في اختيار ومراقبة النواب. نعتقد بأن هذا أفضل بكثير من الجلوس والشكوى والتذمر. فهذه وسيلة لنصبح ايجابيين… ومنها ، ربما نتحول إلى متفائلين.

Share

رأيان على “الانتخابات الكويتية – بين التشاؤم والتفاؤل”

  1. قال احد الفلاسفه الإغريقيين ,الديموقراطيه الصحيحه عندما يكون في مجتمع حكومه لا تحكم. بمعني ان يقوم كل فرد في هذا المجتمع بواجبه من اجل بناء وتقدم بلده، أضافه الي مراقبه اعمال حكومته عن طريق مجلس شعب صالح

    1. صحيح ، وليت الأمر كذلك… ولكن… الظروف غير… فلنأخذها خطوة خطوة حتى نصل “الغيش” ، وثم انشاء الله الشاطئ…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.