بوادر خطة معالجة التركيبة السكانية؟

بوادر خطة معالجة التركيبة السكانية؟

نشرت القبس بتاريخ 17 ابريل 2017، خبراً على صفحتها الأولى تحت عنوان “خريطة طريق لمعالجة اختلالات التركيبة السكانية” يشير إلى توصيات اللجنة العليا لدراسة التركيبة السكانية.

لا نعلم مدى صحة أو دقة هذا الخبر، ولكن حتى وإن كان نصف صحيحاً، فإن أفضل ما يمكن وصفه هو بأن “أول القصيدة كفرٌ”. فبمراجعة المحاور الستة التي ذكرت، يمكن التعليق عليها على النحو التالي:

1. من الصعب التصور بأن العمالة المنزلية تشكل جزءً كبيراً أو مهماً من مشكلة العمالة الوافدة. فهؤلاء قليلي التكلفة وضررهم محدود جداً نسبياً. فإنهم كالنمل محكورين في البيوت وينظفونها من الفتات والمخلفات. كما أن تسفيرهم (حسب القانون) سهل ولا يتطلب أكثر من عدم تجديد العقد. وفي جميع الأحوال فإن ظاهرة الخدم في تلاشٍ منتظم لأن الدول الفقيرة التي توفرهم لنا آخذة في التقدم التدريجي، وما هي إلا بضع سنوات ولن نجد خدم خصوصاً بالأسعار والشروط الحالية. أي ستنقرض هذه الظاهرة من تلقاء نفسها ولأسباب اقتصادية. وأخيراً، هل من الحكمة أن نبدأ بإصلاح التركيبة السكانية بخلق عدو من نصف المجتمع؟ أي نولد معركة مع سيدات البيوت اللاتي يعتمدن عليهم؟ يبدو أن هذا تكتيك محكوم عليه بالفشل، بالرغم من أنه أصلا لا يحل المشكلة.

2. أما بالنسبة لتقليص استقدام عمالة شركات الحراسة والأمن المتعاقدة مع الحكومة، نتساءل كيف يمكن عمل ذلك بعد تعاقدها مع الحكومة، وليس قبل؟ أليس من الأجدى أن تنص الحكومة وبشكل واضح في مواصفات مناقصاتها على استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة، وثم تُرسي المناقصة على أساسها؟ ولماذا لم يتطرق هذا المحور إلى عمالة التنظيف وأسلوب اليدوي المتبع؟ فهنا تكمن إحدى المشاكل الكبرى في العمالة الهامشية الوافدة. وأخيراً، هل تم دراسة توزيع العمالة الوافدة بشكل وافٍ، وتم تحليل قيمتها المضافة؟ أم أنه اعتمد فقط على النظر السطحي أو الميداني؟

3. اقتراح تحديد حد أقصى لفترة الإقامة بين 10 و 20 سنة يشجع القطاع الخاص على جلب العمالة الهامشية الرخيصة غير الماهرة التي تتعلم “بهذه القرعة” حتى تكتسب بعد سنوات خبرات مميزة، وثم تغادر ليحل محلها جهلة جدد. أما تحديد الحد الأقصى للعمالة بفترة من 2 إلى 4 سنوات يرغم استيراد العمالة الماهرة الجيدة، فتفيد وتستفيد وثم تغادر. كما أن عشرة وعشرون سنة تشكل الجزء الأكبر من الحياة العملية لمعظم هذه العمالة، فهل ننوي مص دم وزهرة شبابها، وثم إلقائها في البرية؟ هذا لا يتماشى مع مبادئ العدالة، أيً كان نوعها.

4. معظم الأفراد لا يطلبون تأشيرات بتاتاً. كما أن كثير من أصحاب الأعمال لا يطلبون تأشيرات إلا في حالات نادرة. فتحديد عدد تأشيرات لكل فرد يفتح المجال لخلق سوق سوداء لبيع حقوق التأشيرات. ثم كيف تحدد الحصص بين فرد وآخر؟ هل على أساس عقوده الحكومية؟ وهذا ليس مقياساً عادلاً. أم على أساس حجم تجارته؟ وهذا يفرق بين أفراد المجتمع، ويدعم الكبار ويطمس الصغار. نخشى أن هذه التوصية قد تولد فرص جهنمية للاستفادة وفتح باب جديد للفساد.

5. بالغالب، تقع رسوم مخالفة الإقامة على العامل المخالف، وهذا ظلم بحق الضعيف. كما أن تحديد سبب المخالفات ضبابي ومزاجي ويحتاج لإعادة صياغة وتطبيق، فالإجراءات الحالية جائرة وظالمة أحياناً.

6. بعد بحث طويل وعميق، توصلت اللجنة إلى أن سبب اختلال التركيبة السكانية هو الخدم والعمالة المنزلية الهاربة؟! حَدِّث العاقل بالمعقول حتى يصدقك. فكم يبلغ حجم العمالة المنزلية الهاربة؟ والسؤال المحرج الذي يليه: لماذا تهرب أصلاً؟

لا نرى داعٍ لإصرار مؤسسة الحكومة على التسرع في إصدار سياسات وقرارات وإجراءات إصلاحية اقتصادية واجتماعية وقانونية وسياسية وتعليمية… إلخ. فليس عيباً قاتلاً أن تكون بطيئاً، فكلنا نفهم ونتقبل محدودية الخبرات والقدرات ومدى تعقيد المشاكل وتسارعها علينا.

ولكن العيب أن تقدم حلولاً سيئة، أو قاصرة، أو غير مدروسة تماماً، فيتضاعف الضرر، وتضيع فرص الإصلاح، وتزيد الكلفة النهائية، وتطمئن المواطنين عما في حقيقته غير مطمئن – فلا يمكن سلق المشاكل. الأفضل التريث وتدارس المشاكل بحكمة وبأسلوب علمي قبل التلفظ بأي تعليق أو تصريح. فهذه ليست مباراة تلفزيونية تمنحك ثلاثة محاولات، وثم ربما الاستعانة بصديق!

Share

رأي واحد على “بوادر خطة معالجة التركيبة السكانية؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.