قانون الدين العام – أيكون أم لا يكون؟

ينحصر الجدل الحالي حول قانون الدين العام في: هل يُسْمَح للدولة باقتراض 20 مليار دينار لمدة 20 سنة أم لا؟ ويَسْتَنِدُ معظم مؤيدو الاقتراض على أن عجز الميزانية في تفاقم والسيولة غير متوفرة، وأن خيار الاقتراض أرخص من بيع أصول الاحتياطيات. بينما يستند معظم معارضو الاقتراض على الخوف من صرف المبالغ المقترضة على ما هو غير منتج في ظل غياب الإصلاح المالي والاقتصادي الحقيقي، كما يشككون بصحة الادعاء بشح السيولة لتغطية العجز الحالي.

نعتقد بأن هناك جوانب أخرى لهذا الموضوع يمكن طرحها على شكل الأسئلة التالية:

1) هل هناك حاجة للاقتراض؟

لا نعتقد ذلك، إلا إذا نفذت جميع سبل العلاج وجاء دور الكَيّ، بشرط أن يكون مؤقتاً وقصير المدى. ومع استمرار السياسة المالية والاقتصادية السائدة، وتدهور الوضع النقدي للدولة خصوصاً بعد انهيار سعر النفط، فقد تسارع البعض إلى خطوة الكَيّ لسد عجز التدفقات النقدية. ولكن هل الاقتراض المطلوب هو مؤقت أم دائم؟ بمعنى، هل لدى الحكومة خطة حقيقية للعودة إلى توازن ميزانيتها أم ما زلت تأمل بصعود أسعار النفط وعودة الأمور الجميلة؟

لذلك، لا بد لأعضاء مجلس الأمة مراجعة وتحليل جميع جداول التدفقات النقدية والتقارير التفصيلية للمركز المالي للدولة، قبل التوصل إلى أي استنتاجات أو قرارات. فعندئذٍ ستتضح جدية المشكلة ومدى قابليتها للمعالجة على المدى الفوري والقصير وثم الأطول. كما يمكنهم من خلال هكذا مراجعة الوقوف على المصروفات غير الضرورية (وحتى التبذيرية) مما يتيح لهم اشتراط إيقافها أو تقليصها قبل موافقتهم على أي قانون – هذا إن لم يتم اكتشاف حلول أخرى بديلة.

ولكنه من الواضح، حتى قبل فحص ودراسة الكشوف النقدية والمالية، أن بنود رواتب وبدلات موظفي الدولة، والدعومات للأفراد والقطاع الخاص، ومصاريف المشاريع غير المنتجة أو غير الضرورية، والمشتريات اللامتناهية، ومصاريف التسليح، إلخ هي بنود متضخمة وتحتاج معالجة.

2) كيف سَتُسَدَّد المبالغ المقترضة؟

الكويت دولة تعتمد على مورد وحيد، هو النفط. كما لديها استثمارات كبيرة تدر عائداً ما، يقال انه مجزي. ولكن سعر النفط قد هبط الآن إلى أقل من نصف ما هو مقدر في ميزانية تنبئ بعجز 7 – 9 مليار دينار، بل قد وصل إلى حوالي ربع المطلوب لتوازنها. وبنفس الوقت، نواجه رؤية عالمية غير متفائلة تجاه قطاع النفط، حيث يقدر الأخصائيون أن قمة الطلب العالمي للنفط ستحل حوالي سنة 2040 ، أي بعد 20 سنة فقط!

أما الانهيار الحالي لأسعار النفط فهو ناتج أساساً عن ضعف الاقتصادات العالمية وإشرافها على الركود أو الكساد، وقد تفاقم هذا الضعف مع مفاجأة ظهور وباء كورونا، وأخيراً جاءت الضربة القاتلة بإطلاق السعودية والامارات وروسيا العنان لإنتاجهم مصحوباً بخصومات سعرية كبيرة، فتقلص الطلب العالمي للنفط حوالي 20 مليون برميل في اليوم (أي 20%). وهذه نسبة تقلص كبيرة ومن الصعب تعويضها بسرعة، حتى لو توصلت مجموعة أوبك+ وغيرهم من المنتجين إلى اتفاق ما لتقليص الإنتاج. فعودة الأسعار (إن عادت) إلى مستويات مقبولة أو شبه مقبولة (50 – 80 دولار للبرميل) سيستغرق وقتاً وعلينا إما إيجاد حلول جديدة، أو الاستعداد للعيش مع عجوزات مستمرة مزمنة.

أما بالنسبة للاستثمارات، فالأوضاع الاقتصادية العالمية لا تبشر بالخير وتنبئ بسنوات عجاف. ويقدر بعض المحللين أن على الأقل 50% من الشركات الأمريكية ستحقق خسائر هذه السنة. كما تناقلت الأخبار بأن نجم الاستثمار، الصندوق السيادي النرويجي، قد خسر 124 مليار دولار في الربع الأول من هذه السنة (حوالي 13% من قيمته). فمن الخطر أن نُعَوِّلُ كلياً على استثماراتنا ونخطط على أن عوائدها ستستمر بالتدفق وبغزارة.

إذن، كيف سنسدد الدين العام الذي سنقترضه لسد عجز تدفقاتنا النقدية الحالية؟ والأهم، هل سيكفي مبلغ 20 مليار دينار لسد عجوزات السنوات التالية المتنامية؟ وأخيراً، وليس آخراً، هل نضمن أن تتوفر لدينا الأموال لسداد القرض الصادر بالعملات الصعبة؟ وهل سيحافظ الدينار على سعر صرفه الحالي ولن ينخفض خلال السنوات العجاف القادمة؟ وكم سيتكلف البنك المركزي من خسائر للدفاع عنه؟

طبعاً، أول ما يطرأ على بالنا هنا، هو التعبير السحري: “الإصلاح المالي والاقتصادي”. ولكن ماذا يعني هذا التعبير، وهل حاولنا اكمال تسلسل الفكرة إلى نهايتها؟ وهل حاولنا تقييم مدى واقعية الأطروحات المذكورة في هذا التعبير السحري والمدة الزمنية لتنفيذها وقطف ثمارها؟

3) هل هناك بدائل لسد عجز التدفقات النقدية؟

هناك اتفاق على ضرورة إيجاد موارد إيرادات جديدة، وتتمحور معظم الأفكار المطروحة حول فرض الضرائب على الشركات والأفراد، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة على المبيعات، وزيادة الرسوم على الشعب، وتشجيع الصادرات، وتحويل البلد لمركز تجاري ومالي عالمي، إلخ. وقد تكون كل هذه الأفكار ممكنة أو غير ممكنة، حسب أمور ومعطيات كثيرة. أما الأهم، وخصوصاً في الوقت الحالي، هو أننا تناسينا الحقيقة أن الكويت دولة ريعية تصرف على شعبها من أفراد وشركات مواطنين ووافدين، من موردها الوحيد، وكل ما هو غير ذلك يبقى احتمالات للمستقبل.

أ) فالضرائب والرسوم في الوضع الحالي هي عبارة عن استعادة الدولة لبعض ما دفعته للناس وليس من انتاج حقيقي مستقل عن الحكومة. وهي بذلك تقلص الطلب العام في الاقتصاد فينكمش النمو وربما يتحول إلى ركود خصوصاً إذا تزامن مع تقشف الدولة وتقليص مصاريفها على المشاريع والمشتريات. كما أن ضريبة القيمة المضافة تضخمية وترفع الأسعار عند تطبيقها لأول مرة، وفي كل مرة تزداد نسبتها لاحقاً. وأخيراً، فإن عملية جمع الضرائب صعبة ومعقدة ومكلفة جداً، خصوصاً في مجتمع لم يتعود على السداد المنتظم. ومع ذلك يبقى هذا أحد الخيارات على المدى الأطول.

ب) ولكن هناك بديل جيد (أو رديف؟) للضرائب، وهو الروسم الجمركية، وهو جاهز وسهل التطبيق وقليل التكلفة. ونستند هنا على أن الاستهلاك الجائر في الكويت قد انعكس في حجم استيراد مرتفع وضار – ويزداد ضرره في ظل انخفاض أسعار النفط وتقلص إيرادات الدولة. فبالرغم من أن أسعار السلع المستوردة لم ترتفع كثيراً بسبب ضعف معظم الاقتصادات العالمية وانحسار التضخم فيها، إلا أن نمو الاستيراد الكويتي ما زال نشطاً، مما يشير إلى نموه كماً ونوعاً، وليس بسبب التضخم. ولا بد من إضافة هنا أن لتقليص الاستيراد فوائد ثانوية متمثلة في تشجيعه لبعض التصنيع المحلي الذي يتناسب وإمكانياتنا.

فالكويت تستورد حوالي 10 مليار دينار سنوياً، وبفرض مثلاً جمارك بنسبة 100% يعني توليد إيراد للدولة بمقادر 10 مليار دينار في السنة، وحتى بمعدل متوسط لرسوم جمارك 50% يعني ايراد 5 مليار دينار في السنة (ونكرر “في السنة”). كما أن الرسوم الجمركية تعتبر إيراداً لا يسترد، بعكس القروض التي يجب سدادها مع فوائدها، وبعملات صعبة قد أو قد لا تكون متوفرة عندئذٍ، وبسعر صرف دينار غير معلوم.

ج) وهناك وسيلة أخرى، وإن كانت ذات سمعة سيئة لدى كثير من الاقتصاديين وربما لدى البنك المركزي، ألا وهي تخفيض سعر صرف الدينار. ويعتقد الكثيرون بأن تخفيض سعر صرف العملة يعني علامة وهن لأي اقتصاد أو دولة، وأنه يطلق زوبعة تضخم لا يمكن السيطرة عليها، ورأساً يخطر على البال دول كزيمبابوي، وفنزويلا، وألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى وغيرهم من الكوابيس التي قرأوا عنها في أخبار الصحف. ولكن هناك كذلك جوانب إيجابية لتخفيض سعر صرف العملات، وأنواع مختلفة من التخفيض، وحالات تسمح أو تتطلب ذلك. والكويت صغيرة ويمكنها الاقدام على خطوة كهذه كحل استباقي وتصحيحي للاقتصاد.

فغالبية إيرادات الكويت بالدولار أو عملات صعبة أخرى، بينما أكثر من 70% من مصاريف ميزانيتها هي رواتب وبدلات بالدينار. لذلك يمكن تخفيض هذه المصاريف فوراً (بين ليلة وضحاها) وربما توليد فوائض، بدون المساس بالقيمة الدينارية للرواتب. وطبعاً سيؤدي هذا إلى تقلص القوة الشرائية، ولكنها في جميع الأحوال مرتفعة وقد تتحمل بعض التقشف ولكنها، بعكس الضرائب والرسوم، تبقى اختيارية للمستهلك في أنه هو الذي يقرر أن يشتري أو لا يشتري. ولا شك أنها تقلص جزء من الطلب العام، ولكن مع اختفاء العجز وظهور فوائض ستتمكن الدولة من ضخ بعض هذه الفوائض في الاقتصاد وإنعاشه، بالإضافة لتخفيف الألم باستمرار دعم السلع الأساسية لفترة. كما أن هناك جانب مهم غير منظور ويصب في تعديل التركيبة السكانية. فتخفيض سعر صرف الدينار سيشجع العمالة الهامشية وغير الماهرة على المغادرة الاختيارية لعدم كفاية دخلها لتبرير غربتها عن بلادها.

طرحنا هنا عدة بدائل قد تكون مناسبة في الظروف والمعطيات الحالية للكويت، والأمر متروك لأصحاب القرار للأخذ بها أو ببعضها أو الصد عنها كلياً. ولكن نذكرهم بأن الطباخ الماهر لا يحصر نفسه في وصفات كتب الطبخ، وإنما ينطلق ليُقَيِّم ويختار المواد والبهارات ومقاديرها بنفسه ليخرج بأطباق فاخرة شهية.

Share

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.