إسبارتا الجديدة

مقاromans-60601_640لة خيالية ساخرة
إسبارتا الجديدة

لاحظنا، خلال العقود الماضية، ظهور كيان جديد في العالم. لم يعلن اسم هذا الكيان لحد الآن، ولكن تشير الإشاعات إلى أنه “إسبارتا الجديدة”.

أما إسبارتا الأصلية، فكانت مدينة يونانية قديمة تأسست حوالي 700 قبل الميلاد، واشتهرت بقوتها العسكرية، وصداميتها، وشراستها. وبالرغم من صغر عدد سكانها، نجحت بقوتها العسكرية بغزو واحتلال جيرانها الأكبر منها، وإما استعبادهم أو فرض عليهم الجزية.

لم ينتج الإسبارتيون غذاءهم ولا ملابسهم أو أدواتهم …إلخ، بل عهدوا بها إلى الرقيق أو لغير الإسبارتيين. وركزوا طاقاتهم على التمارين الرياضية، والتدريب العسكري، وتطوير الأسلحة ونظم القتال – وأشهرها كان التشكيلة القتالية الناجحة التي عرفت باسم “الفالانكس الإسبارتي”.

تركز طموح إسبارتا على الهيمنة، الذي ترجمته إلى استراتيجية التوسع من خلال غزو الآخرين وامتصاص خيراتهم وثرواتهم. وقد حاولت مراراً السيطرة على المدن اليونانية الكثيرة، ونجحت أحياناً وفشلت أحياناً أخرى. كما عقدت الأحلاف حسب حاجتها، وفسختها عندما تحققت أهدافها، أو انتفت حاجتها لها.

كان التعليم في إسبارتا متوسطاً وأقل من المتوسط، ولم يهتموا كثيراً بالفنون أو العلوم. ولكن تمتعت نساءهم بقسط كبير من الحريات والحقوق مقارنة ببقية العالم حينئذٍ.

أما نظام الحكم، فقد كان أوليغارشي التنظيم (حكم نخبة صغيرة)، وتَكَّوَنَ من ملكين متساويين ولكن بصلاحيات محدودة، ويعاونهما مجلس شيوخ من كبار السن، أي الحكماء. وانتمى جميع هؤلاء إلى عائلات النخبة الغنية.

وصلت إسبارتا، في قمتها، إلى قيادة تحالف المدن اليونانية الذي أفشل محاولة الإمبراطورية الفارسية الاخمينية لغزو اليونان. ولكن سرعان ما عادت، بعد ذلك، إلى القتال مع حلفائها اليونانيين، فجرت حروب كثيرة حتى معركة لوكترا سنة 371 قبل الميلاد، حيث هزمت إسبارتا لأول مرة في تاريخيها في معركة رئيسية. ومن ثم اتجهت في درب نزولي طويل حتى دحرها واحتلها الرومان.

هل تذكرنا قصة إسبارتا بأحد مشابه في عصرنا الحالي؟ هل هناك كيان فاحش الثراء والقوة؟ لديه رغبة شديدة للسيطرة والهيمنة على العالم؟ يمتلك قدرات عسكرية وأسلحة هائلة؟ ويعقد الأحلاف ويفسخها بمزاجه؟ يفتخر بطريقة عيشه وبقوانينه، ويعيب على كل من لا يتبعها؟ لا، ليس هذا الكيان إسرائيل، وإنما مارد ضخم وسمين ويفزع العالم.

ومن آخر أخبار إسبارتا الجديدة تنصيبها لقائد جديد، يرى نفسه كما رأى جميع القادة العظماء في التاريخ، بأنه بطل فائق القدرات يستطيع قيادة بلده إلى الرخاء والأمان. ولكن، كجميع الأبطال الأسطوريين اليونانيين، قد يحمل عفشاً ثقيلاً يحتوي صفات الجشع والنهم والغرور والكبرياء وسرعة الغضب…إلخ. ربما هذه صفات جيدة للأبطال، إذ تساعدهم على سرعة تحقيق أهدافهم، ولكنها كذلك، وكحال معظم الأبطال الاسطوريين اليونانيين، سرعان ما يزداد وزننها لتنتهي إلى فشل تراجيدي محزن.

وبالرغم من ذلك، فإن قائد “إسبارتا الجديدة” متحمس جداً، ومنكب الآن على رسم وتخطيط رؤيته الجديدة. وقد بانت بوادر هذه الرؤية من خلال خطوته الأولى، بتعيين حفنة من كبار المحاربين القدماء كمعاونين له. لا شك أن الجنرالات أفضل المعاونين لتميزهم بالولاء، والقدرات التنظيمية، وخبرة في قيادة الآخرين. ولكنهم كذلك، صداميي الطبع، وعدائيين بالتدريب، ولا يدركون أهمية ضبط وتخفيف المصاريف. ولكن ما يهمنا هنا هو: إذا كانت أول خطوة هي تعزيز الفكر العسكري، فأين ستتجه الخطوات التالية؟ انتبه يا عالم واحذر، قد تأتي إسبارتا الجديدة صوبك.

Share

6 آراء على “إسبارتا الجديدة”

  1. من حسن حظ الإغريق والبشرية جمعاء أن سبارطة هيمنت عسكرياً ولفترات في تاريخ اليونان لكنها لم تهيمن ثقافياً وحضارياً وإلا لما كانت الفلسفة اليونانية والطب والأدب والتاريخ وغيرها من معارف اليونان القديمة، والكارثة التي يكابدها المجتمع البشري اليوم في نظري هي انتشار عدوى “الثقافة” الأمريكية، ومن المثير للاهتمام أن نظرة البشر إلى النموذج الأمريكي مرت بمرحلتين متناقضتين: أولهما الرفض والتسخيف ثم الاستحسان والاستنساخ، ويمكن القول بأن هذا التحول أو بالأحرى الانقلاب في العلاقة العاطفية بين البشر وكل ما هو أمريكي بدأ في منتصف القرن الماضي، فمنذ عصر النهضة كان الإشعاع الثقافي يسطع من أوروبا، إذ كانت موطن ومصدر العلوم والموسيقى والأدب والفلسفة وحتى الأزياء والطعام وأصول السلوك والتعامل المهذب etiquette ، أمّها أدباء أمريكا مثل أرنست هيمنجواي لاستلهام مواضيع رواياتهم، وتعلم الرسامون أصول الفن والموسيقى في اكاديمياتها، وقصدها أطباء أمريكا لإتمام دراستهم العليا التخصصية، لكنها في الوقت ذاته أهدرت الكثير من طاقاتها في الحروب ومن احترامها بين الشعوب بسبب سياساتها الاستعمارية والاستيطانية، ونظر الأوروبيون في وقتها إلى الأمريكيين باستعلاء واستخفاف، ولكنهم اضطروا للاستعانة بهم في الحربين العالميتين، واللتان أضعفتا القدرات الأوروبية، والأوربيون كغيرهم من البشر تبهرهم القوة وتتملكهم نزعة تقليد الأقوياء، وكان لظاهرة الصعلكة الهبية تأثيراتها على شباب أوروبا، ولم تنجح كل محاولات شارل ديجول وأمثاله للوقوف في وجه الغزو “الثقافي” الأمريكي.
    قد يرى البعض وأنا واحد منهم بأنه لا توجد ثقافة أمريكية حقيقية، وحتى لو قبلنا بوجودها على مضض، فهي من أسوأ ما عرفت البشرية من ثقافة، وما زلت صورة الأمريكي في أذهاننا مقترنة براعي البقر المتوحش (الكاوبوي)، ولو تناسينا ذلك فسيذكرنا بها التعديل الثاني للدستور الأمريكي (1791م) الذي ينص على حق الأمريكي في امتلاك السلاح، ويؤيده الرئيس المنتخب ترامب بشدة، والأمريكي الذي يستهلك نصف موارد الأرض أنتج “ثقافة” سطحية وسفسافة trivial، فلا مكان فيها للفلسفة والفكر، إذ حل الكتاب المصور محل الرواية، والخلاعة مكان الفن، والبذاءة بدلاً من الخطاب الراقي، والراب أزاح الطرب الأصيل، والوجبات السريعة عوض الطعام الصحي، فلا غرابة أن يمنح المغني الأمريكي بوب ديلون جائزة نوبل للآداب، وليس المهم في كل هذا الإبداع بل العائد المادي، وفي ظل هذه “الثقافة” تشوهت العلاقات الاجتماعية، ولهذا الوباء “الثقافي” نتائج وخيمة على مجتمعاتنا، والتي لا تقل سوءاً من الهيمنة العسكرية والسياسية، والسبيل الوحيد لوقف هذا الغزو المدمر للثقافة الأصيلة هو بروز نموذج ثقافي عالمي منافس وبديل، مثل أثينا مقابل سبارطة.

    1. استعراض ممتاز، ووضعت اصبعك على الجرح. ولكن… المسافة شاسعة بين ما وصلت إليه أمريكا وبين أقرب منافس لها – ونحن لسنا حتى في مباراة المنافسة!

      ربما سيناريو “التراجيديا اليونانية” يحل هذه المشكلة… فجميع أبطال الميثولوجيا اليونانية انتهوا إلى دمار بسبب ارتكابهم المعاصي والذنوب الكبرى…

  2. Mission Accomplished

    By Hamid Atiyyah

    His words echoed a Viking’s boast
    Carried across stormy oceans
    To season the broth of boredom
    Served in Valhalla’s frigid huts.
    His hands were as bloodstained
    As Mongol women ordered
    For the savage frescoes of their tents.
    He promised more crowns and treasures
    Than a Hun can count on his fingers
    Sucked clean of the day’s gore and fat.
    The American was also like a Roman,
    polished and heartless,
    When he fed us to the lions of his blight.

  3. The analogy remarkably drawn between old Sparta and its modern look-alike in this excellent satire reminds me of another villain, namely the “Bully”.
    The “Bully” is also aggressive, vicious and hegemonic. He punishes those who refuse to submit to his authority and extorts weaker parties to pay him monetary and other benefits in return for protection.
    In earlier times, our Arab societies witnessed the rise of “Bullies” known as fiwas فتوة or ashkia’ أشقياء , who terrorized and controlled neighborhoods, and had patrons and allies in high places.
    If it is true that history is the annals of wars, as someone wrote, then wars are the making of “Bullies”. Indeed, “Bullies” such as Kaiser Wilhelm II, Hitler, Mussolini, Franco, and Sadam Hussain initiated some of the worst major wars in the last century.
    “Bullies” whether persons or states incite other bullies to challenge their authority and hegemony. Many of us still recite with conviction the following poetic line by Ahmed Shawki asserting that force and subjugation are the means to achieve mastery in our world:
    ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
    To rid our world of the menace of Spartans, “Bullies” and their violence, we must first achieve peace, justice, equality, cooperation and tolerance.

    1. هناك عدة طرق:
      1) يرفع نسبة الجمارك على هذه السلع. (دلك يتعارض مع اتفاقيات التجارة الدولية الكثيرة، ولكن ترامب دائماً يهدد بإلغاء الاتفاقيات بأنواعها).
      2) يصعب مواصفات السلع المستوردة من الصين.
      3) العالم الغربي يتجه إلى المكننة. انتاجية أعلى وأجود وتكلفة انتاج أقل للوحدة.
      4) يضغط على الصين لرفع سعر صرف عملتها.
      5) الرواتب الحقيقية لفئات المتوسط والدنيا في أمريكا لم ترتفع منذ عشرة سنوات تقريباً، بل في بعض الأحيان انخفضت. هذا احدى أسباب التذمر التي ساهمت في انتخاب ترامب كمنقذ لهم من ال 1% المستحوذين على خيرات البلاد. أي أن رواتبهم في انخفاض منذ سنوات، ومعها قوتهم الشرائية.
      6) رواتب وتكلفة الإنتاج في الصين في ارتفاع تدريجي مع نموها الاقتصادي.

      كل هذه، وغيرها، أساليب ممكنة، ولكن من الصعب التأثير الحقيقي على أسلوب الإنتاج وارجاع الإنتاج إلى أمريكا، خصوصا على المدى القصير. تحتاج إلى استثمارات كبيرة.
      ظهرت اليابان، في الستينات من القرن الماضي، كمنتج رخيص غزا أمريكا والعالم، ثم ارتفعت رواتبهم وتكاليف انتاجهم (وتحسنت كثيراً)، فحلت محها سنغافورة، ومن بعدها تايوان، ثم كوريا الجنوبية، ثم تركيا، ثم الصين، والآن ربما الهند، وغداً ربما مصر… أي الدورة لا تنتهي… الحي يقلب…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.