كورية الشمالية: أهي عملية خداع أم استعراض أم كلاهما؟

كورية الشمالية: أهي عملية خداع أم استعراض أم كلاهما؟

كان الرئيس ترامب قد أمر اسطوله العظيم بالتوجه إلى سواحل كورية الشمالية. ثم اتضح من أخبار يوم 19 ابريل أن جزء من هذا الاسطول قد انحرف في الاتجاه المعاكس وأبحر من سنغافورة إلى المحيط الهندي، بينما اتجه الجزء الآخر نحو استراليا. ثارت وزمجرت الصحافة العالمية، فقد كانت تأمل اندلاع “يوم قيامة” مصغر مع كثير من الدم والدمار، مما ينعش تجارة الأخبار، خصوصاً بما تحتويه من مجالات واسعة لخلق واختراع الحكايات الكاذبة والخرافية.

وبناءً على هذه الأخبار الجديدة، تنفست كورية الشمالية الصعداء ومسحت العرق المتصبب على جبينها، وبدأت تجهز حملتها الإعلامية للتفاخر بفوزها وإفزاعها مثيري الحروب الأمريكان. أما كورية الجنوبية، فتوقفت عن الارتجاف وبدأت تجهز لزيادة حدة هجومها الإعلامي على الشمال، ولكن مع النظر المتكرر إلى الوراء للاطمئنان إلى أن أمريكا ما زالت خلفها جاهز لحمايتها. الصين، استمرت تبتسم بثقة، مرتاحة بأنها قد لعبت دوراً إيجابياً بتحركها الإعلامي ضد كورية الشمالية، دون دفع أي ثمن حقيقي. وبقيَ اليابانيون مشوشون، هل يعسكروا ويجيشوا اليابان حسب رغبات وسياسات الرئيس آبي، أم يستمرون على خط سيرهم السلمي الحكيم؟ أما روسيا فوقفت تحك رأسها محاولةً فهم السياسة الأمريكية، وتتساءل عن مدى إمكانية الوثوق بالغرب، بالرغم من الصفعات الكثيرة التي تلقتها طوال الثلاثين سنة الماضية. ثم السوريون، فقد صرخوا بغضب: “اللعنة عليهم، استخدمونا كفأر مختبر لإجراء التجارب لتضبيط خطة خدعتهم. هاجمونا بالصواريخ ليفزعوا الآخرين”. كل هذا وأوروبا متأهبة ولكن صامتة ومحتارة، هل هذا الخبر اشارة لها أن تبدأ بالهتاف معه أم ضده؟ وأخيراً، خيم الصمت على صقور الكونجرس الأمريكي بينما حاولوا استنتاج أثر الخبر على وضع “رامبو”، هل ما زال ملكهم أم قد أفلت من قبضتهم؟

ولكن في اليوم التالي، أسرع البيت الأبيض، ووزير الدفاع الأمريكي، والبنتاجون بالتصريح مؤكدين بأن الأسطول العظيم سيصل كورية في نهاية المطاف. ولكن اختلف تفسير كل منهم عن الآخر، مما أعاد إثارة الصحافة الغربية وتساءلت: “ما هذا الهراء؟ أتتخبط الإدارة الأمريكية أم ماذا”؟

فاستمرت التساؤلات وازدادت حيرة الجميع إلى أن تدخل الخبراء وأوضحوا أن هذه تكتيكات فنية عالية لا يفهمها البسطاء، وتلو مقتطف من كتاب “فنون الحرب” للمؤلف الصيني القديم، سان تزو:

“مبدأ الخدعة أساسي في جميع الحروب. وهذا يعني أنه عندما تنوي الهجوم، عليك الظهور بعدم القدرة على ذلك. وعندما تستخدم جنودك، عليك اظهار السكون. وعندما تكون قريباً من العدو، عليك إقناعه بأنك بعيد. وعندما تكون بعيد، عليك إقناعه بأنك قريب”.

وكان هذا تفسيراً مقنعاً حسم الموضوع، بالنسبة لي على الأقل. ولكن بدل أن التفت إلى مواضيع أخرى، ارتكبت خطأً جسيماً وسألت حارس العمارة رأيه. كان رده مفاجئاً، أعادني إلى نقطة الصفر. فقد هز رأسه منوهاً إلى جهلي، ثم خفض صوته وهمس: “جميعها سيناريوهات. فما عادت تصاغ السياسات الدولية في وزارة الخارجية الأمريكية أو البنتاغون أو حتى مراكز الفكر، وإنما تعهد مباشرة لكتاب السيناريوهات في هوليود! وإلا كيف تفسر مواقف الغموض في نهاية كل حلقة، التي تخدرك وتجعلك لصيقا بالتلفاز تنتظر المزيد وتواقاً للحلقة التالية”؟

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.