يكون أو لا يكون – ملحمة مصادرة الأراضي الفلسطينية

سلة التعليقات اليومية على الاحداث

يكون أو لا يكون – ملحمة مصادرة الأراضي الفلسطينية

تذكرني إسرائيل بالفيلم الكارتوني لسلفستر القط الأسود الذي يحاول باستمرار اكل العصفور تويتي الأصفر. فهوا في صراع دائم مع نفسه حول الاقدام على اكل تويتي أم الانتظار لفرصة سانحة لا تراه فيها سيدته العجوز التي تضربه على رأسه بالمكنسة كلما رأته يتحرش بالعصفور. فهو في جميع الأحوال ينوي أكل العصفور ، ولكن السؤال متى؟ الجواب: لما يتأكد بأنه سينفذ من عقاب العجوز.

كذلك إسرائيل ، التي بنيت على أراضٍ فلسطينية ، فهي مستمرة بالنمو من خلال مصادرة الأراضي الفلسطينية الجديدة. ويزداد أو ينقص معدل المصادرة حسب مزاج الرأي العام الدولي ، ولكن بالأخص حسب الضغط السياسي الأمريكي. فإذا أمنت العقاب ، فإنها سعيدة بقنص وبلع الأراضي الفلسطينية. أما إذا ضغطت عليها أمريكا ، فحينئذٍ تتوقف ظاهرياً ، وتؤجل عملية القنص لحين بروز فرصة سانحة.

وآخر أخبار الملحمة الفلسطينية ، التي زاد عمرها عن 68 سنة ، هي قرار الحكومة الإسرائيلية مؤخراً مصادرة أراضٍ فلسطينية في منطقة اسمها أمونا. فقد شيدت السلطات الإسرائيلية مركزاً أمنياً متقدم هناك ، وتنوي توسعته وضمه على مستوطنة اسمها أوفرا.

وهذا بالرغم من أن المحكمة العليا الإسرائيلية قد حكمت مؤخراً بأن هذه المصادرة غير قانونية. ولكن يبدو ان القانون معقد ومشربك بحيث أصبح غير واضحاً ما هو مسموح وما هو ممنوع. لذلك فإن كثير من بنوده تجيز مصادرة واستملاك أراضٍ مختلفة. بل أن مقالة جريدة جيروساليم بوست حول هذا الموضوع معقدة لدرجة (ونشك بنها مجرد ضعيفة الصياغة) بحيث أن القارئ لا يستطيع فهم حقيقة الموضوع.

ولكن باختصار ، نلخص الموضوع هو كالتالي:

– الأرض التي نتحدث عنها مملوكة لفلسطينيين غير موجودين في إسرائيل أو في الضفة ، فصنفوا بمجهولين (وذلك بدون الرجوع إلى السجل العقاري).

– وبتصنيف الملاك مجهولين ، صنفت الأرض كمهجورة. وكأنه يمكن اعتبار الأرض غير المسكونة بمهجورة ، مثل طفل مهجور مثلاً او السيارة المهجورة في وسط الطريق. 

– لقد أقرت المحاكم الإسرائيلية بعدم جواز مصادرة الأراضي المهجورة ، إلا إذا كانت مجاورة لأراضٍ حكومية حولت لمستوطنات. 

– ولكن أقرت المحاكم الإسرائيلية بأن هذه الأرض ليست مجاورة لأراضٍ حكومية وأن مبني المركز غير قانوني ويجب هدمه.

– وللعلم ، فقد تم بناء خلال السنوات القليلة الماضية حوالي 32 مركزاً على أرضٍ فلسطينية خاصة. وبالرغم من عدم قانونيتها ، وبالرغم من انتقادات أمريكا والاتحاد الأوروبي ، إلا أنها ما زالت موجودة بفرض الواقع وبمثابة صفعة على وجه كل منتقد. 

– كما أن إسرائيل مستمرة في اصراها على أحقيتها في البناء في المنطقة ج من الضفة الغربية. 

– ويصر وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان (وهو من الصقور المعروفين) بأحقيته في البناء على الأرض ويقدم من باب التهدئة حلولاً عادلة ومجزية:

• عادلة في اقتراحه بأن يتوقف عن مصادرة الأرض في حال تقديم ملاك الأرض اعتراضاً رسمياً خلال ثلاثين يوماً. لو كان الملاك موجودين أو على علم بالأمر لكانوا قد تقدموا منذ زمن طويل. 

• مجزي في أنه يقترح أن تدفع إسرائيل ايجاراً للملاك الفلسطينيين المجهولين مقابل استخدام ارضهم لبناء مستوطنة. ونود هنا أن نفترض بأن الايجار سيكون بأسعار السوق، وأن المستوطنة ستكون مستعدة لإخلاء العين المؤجرة في حال طلب المالك ذلك. كما يقترح ليبرمان حفظ أموال الايجار كأمانة لدى الحكومة الإسرائيلية نيابة عن الملاك المجهولين… ما ألطفه. 

– ومن ناحية أخرى ـ ما زال المدعي العام الإسرائيلي ينظر في أمر هذه الأرض ولم يقرر بشأنها لحد الآن. ولكنه أعلن بجواز استمرار ليبرمان بتنفيذ مشروعه لحين توصله لقراره! لا يبدو أن هناك ولو أوقية تفاؤل في حصول الفلسطينيين على أرضهم خصوصاً وأن الخصم هو الحكم. 

– ولكن أمريكا لم تسكت على هذا الظلم. فقد انتقدت رئيسة قسم العلاقات الصحافية في وزارة الخارجية الأمريكية هذا التصرف وصرحت بأن هكذا تصرفات لا تتماشى مع الرأي القانوني الإسرائيلي ويتعارض مع السياسات الإسرائيلية السابقة حول عدم مصادرة الأراضي الفلسطينية. لا شك أن هذا انتقاد واعتراض أقوى بكثير من مكنسة العجوز التي ضربت بها القط الأسود. 

– كذلك ، فقد أدلت المتحدثة لوزارة الخارجية الامريكية بجزرة مغرية للفلسطينيين بادعائها بأن هذه التصرفات الإسرائيلية السلبية قد تعرض حل الدولتين (فلسطينية وإسرائيلية) إلى خطر. تقول ذلك بفم ملاءان وكأن ما زال هناك من يؤمن بحل الدولتين. 

– أما بالنسبة لرئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو ، فيبدو أنه يلعب دور “الطرف اللطيف” ضد ليبرمان الذي يلعب دور “الطرف الشرير”. أي انهما يتحاشيا مكنسة العجوز ويؤجلان لَهْم العصفور إلى أن تظهر الفرصة المواتية. خصوصاً وأن اسرائيل قد استلمت مؤخراً أكبر هدية أمريكية في تاريخها كدعم عسكري مجاني ، وما زال نتنياهو يتوقع بل يطالب بالمزيد!

لقد تحولت هذه الملحمة الحزينة إلى مسرحية تراجيديا مكونة من 68 فصل. مشكلة هذه المسرحية هي أنها مملة ، فإنها تكرر كل 6 فصول مرة تلو الأخرى. والمأساة أن الجمهور ما زال يجلس مخدراً ينظر إلى التكرار بدون حتى رمشة اعتراض.

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.