هل كان هبوط سعر النفط مفاجأة؟

هل كان هبوط سعر النفط مفاجأة؟

بقلم: مروان سلامة *

22 ديسمبر 2014

نشرنا قبل أربعة سنوات في موقع “أسما” لتحليل البورصات www.asmainfo.com تحليلاً فنياً لسعر النفط الخام يبين اتجاهه للهبوط نحو سعر 33 دولار امريكي للبرميل عند حوالي سنة 2014 ! هذا تحليل فني لمؤشرات رياضية إحصائية مجردة تنبئ بوضع ربما يحدث ولكن لا تراه العين المتعودة على الظواهر الملموسة والمرئية.

كما يمكن لغير المتخصص في التحليل الفني مشاهدة أن صعود سعر النفط بين 2003 و 2008 كان كبيراً وحاداً مما شجع حدوث تصحيح نزولي حاد معاكس (انظر الرسم البياني). كما حدثت موجة صعود أخرى حادة في الفترة بين 2008 و 2014 .

oil price techincal chart

ولكن لهذه العاصفة وجه مشمس، فنفس التحليل الفني يرى احتمال عودة صعود سعر نحو مستوى 200 – 250 دولار في السنوات القادمة. إلا أن حدوث هكذا ارتداد لأعلى مشروط بعدة عوامل مثل: (أ) نجاح الاقتصادات العالمية في النهوض بقوة من كسادها أو من تباطؤها الحالي. (ب) فشل الغرب في تطوير بدائل للنفط أو للنفط المكلف. (ج) عدم اندلاع حروب إقليمية أو حتى عالمية مدمرة.

وبالبحث عن مسببات هبوط سعر النفط الحالي، نلاحظ تجمع عدة عوامل سلبية في فترات زمنية متقاربة. أولها التطور السريع في تنمية استخراج النفط الحجري والفراكينج في أمريكا الذي جعلها أكبر منتج للنفط في العالم وقلص بشدة حجم استيرادها من النفط ، كما يتوقع أن يمكنها خلال سنوات قليلة من تصدير النفط. وثانياً ، تباطؤ تعافي الاقتصادات الأوروبية بالإضافة تباطؤ نمو الاقتصادات الصينية والهندية وكثير من دول العالم الثالث. وثالثاً ، استمرار انتاج النفط بنفس الكميات السابقة.

أي أن عوامل العرض والطلب المجردة هي سبب رئيسي لهبوط السعر ونجد أن العرض الحالي من النفط أكثر من الطلب الحالي وكذلك أكثر من الطلب المتوقع خلال سنة 2015 . فالنتيجة الحتمية هو هبوط السعر.

ولكن كيف صعد السعر أساساً إلى المستويات الشاهقة التي سقط منها؟ فقد نشط النمو الاقتصادي العالمي خلال الفترة بين 2002 و 2008 فزاد الطلب على النفط ولكن فشل المنتجون في تلبية هذا الطلب لأسباب نذكر منها: وصول المنتجون إلى طاقتهم الإنتاجية القصوى على المدى المتوسط ، استهلاك بعضهم لمخزونهم النفطي وتحولهم إلى مستوردين مثل اندونيسيا في 2009 ، سياسات صدام العراق وما لحقها من احتلال امريكي وشبه حرب أهلية ما زالت ضارية تعرقل الإنتاج المنتظم، وقنبلة ايران النووية المزعومة التي أدت إلى حصار اقتصادي شبه عالمي للنفط الايراني منذ 2006 ، والربيع العربي في ليبيا وسوريا وغيرها التي قلصت انتاجهم النفطي. كما أن هناك سبب آخر قلما يذكر. وهذا يتعلق بالزيادة المستمرة في الاستهلاك المحلي للنفط في الدول المنتجة. فقد بلغ الاستهلاك المحلي للنفط في دول الأوبك في سنة 2013 حوالي ثمانية مليون برميل يومياً (بينما كان مليون برميل سنة 1965). أي أن ما تخصصه أوبك للتصدير ليس ثلاثين مليون برميل تنتجها يومياً ولكن ربما اثنان وعشرين مليون برميل فقط وهو في تقلص. 

والمهم هو أن نتيجة ارتفاع الأسعار بقوة خلال السنوات الماضية تمكنت أمريكا من الاستثمار المربح في تطوير واستخراج النفط الحجري واستخدام الفراكينج وجميعها أعمال مكلفة جداً. أي أن صعود سعر النفط الكبير مكن أمريكا من العودة إلى إنتاج كميات كبيرة من النفط حررها تماماً من نفط العرب وغيرهم. ولكن هذا الإنتاج الأمريكي الكبير أدى في النهاية إلى هبوط الأسعار الحالية.

ولمجابهة هذا النزول والمحافظة على حصصها السوقية ، تحركت الآن السعودية وأوبك لتقليص تدفق النفط الأمريكي المكلف وققرت الاستمرار بإنتاج نفس الكميات التي كانت تنتجها قبل هبوط السعر. وتشير التوقعات (المدعمة بافتراضات مختلفة) بأن السعودية وأوبك قد تنجح ولو بعد حين في تقليص حجم الإنتاج الأمريكي وبالتالي تحفيز السعر للصعود، ربما ابتداءً من النصف الثاني من 2015 .

قد يحلو للبعض أن يزج هنا بنظرية المؤمرة على نفط وثروة العرب. ولكن السياسات الحكيمة للدول تتحرك لضمان مصالحها. والسياسات الناجحة تكون مرنة وقادرة على التأقلم مع المتغيرات والمستجدات. فقد سئمت الدول الصناعية المتقدمة من لعب أسعار النفط بمصيرها ، وهي منذ منتصف السبعينات تبحث عن وسائل لإيجاد بديل للنفط أو السيطرة على سعره وانتاجه. وهذه أمريكا قد نجحت الآن في إيجاد بديل للنفط المكلف وفرضت سقفاً فعالاً لسعره. فكلما صعد سعر النفط مستقبلاً ووصل إلى مستويات 80 – 100 دولار ، عاد النفط الأمريكي للإنتاج المربح فأغرق السوق وهبط السعر. وهذه ضربة معلم شطرنج هائلة!

* مدير المركز الشرقي للاستشارات

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.