المِحْراث أم السَيْف؟

المِحْراث أم السَيْف؟

في أول محاضرة لمدخل علم الاقتصاد، يتعلم الطالب أن الموارد في العالم محدودة، لا يمكنها تلبية جميع الرغبات. لذلك لا بد من اختيار كيف نستخدم مواردنا لتحقيق أفضل عائد. ولتوضيح هذه المشكلة، يطرح عادةً المثال الكلاسيكي التالي: “أنستخدم مواردنا المحدودة لتصنيع محراث أم سيف؟”. فالمحراث يحمينا من المجاعة، بينما السيف يحمينا من الأعداء أو يسمح لنا الاستيلاء على موارد جديدة، فأيهما نختار؟

الحرب والسلام بين الأمس واليوم

كان العالم في الماضي بسيطاً، وكان السيف والشجاعة كافيان لحل معظم الخلافات والمشاكل. ولكن تغيرت الأمور وانقسم العالم إلى دول قوية جداً، ودول قوية، ودول متوسطة القوة، ودول شبه ضعيفة، ودول ضعيفة، ودول ضعيفة جداً. ولأن “القوي جداً” يغلب الجميع، فقد آلت اليه جميع القرارات النهائية، وعلى بقية الدول الانصياع لها والتأقلم معها.

كما أن العالم أصبح أكثر تنظيماً، وما عاد يسمح بغزو الجار أو حتى التطاول على شبر من أرضه. فالمجتمع الدولي جاهز للوقوف وقفة واحدة ضد المعتدين الجائرين. ولكن هناك استثناءات، فكما يحق للشاعر ما لا يحق لغيره، كذلك يحق للأقوياء جداً فعل ما يشاءون – ولو لحين.

أما بالنسبة لدول العالم الثالث، وبالأخص الدول العربية، فيمكن تصنيف معظمها بين “ضعيف متوسط” إلى “ضعيف جداً”. وبالتالي، ليس لها نصيب في احتلال أو السيطرة على العالم، أو أي جزء ولو صغير خارج حدودها المعترف بها دولياً. بل حتى حدودها الدولية، أصبحت مؤخراً عرضة للتغيير وإعادة الرسم.

لماذا السيف؟

إن كانت الدولة مطمئنة لوضعها الداخلي والخارجي، فلن تحتاج غير أبسط الأسلحة الخفيفة لضبط أمنها الداخلي الطبيعي.

ولكن إذا خشيت عدواناً خارجياً من عدو مماثل القوة، فقد تحتاج لسلاح أقوى نسبياً لردعه. بينما أفضل سلاح هو فهم سبب هذا العداء ومحاولة معالجته. فهناك مراحل كثيرة قبل اللجوء لاستخدام السلاح، مثل الحوار الدبلوماسي، وإعادة النظر في سياساتها، والتفاوض مع العدو المزعوم، وأخيراً عقد تحالفات لحمايتها. فالحرب بين متكافئَيْن عادةً تكون شديدة الدمار وباهظة الثمن على الطرفين. كما أن هكذا حروب لا تنتهي بانتهاء معاركها، وإنما كالجمرة، تبقى تحت الرماد جاهزة للاشتعال حال توفر الحطب أو الفرصة المناسبة.

أما في حال أن العدو المزعوم هو دولة كبيرة وقوية جداً، فلن تفيد أي كمية من الأسلحة لضمان بقاء الصغير الضعيف. وهذا ليس من باب الجبن، وإنما من باب الحكمة… “رحم الله امرئٍ عرف قدر نفسه”. والخيار الأفضل حينئذٍ هو أحد الحلول السلمية المذكورة في الفقرة السابقة.

وفي حالات نادرة، تكون الدولة أصلاً عدوانية الطبع، وتطمع في التوسع، والسيطرة على الغير، والاستحواذ على أرضه وخيراته، فعندئذٍ ستحتاج لكميات كبيرة من الأسلحة الفتاكة. ولكن لأن عالمنا اليوم لا يسمح بهكذا تصرفات، فلن يبيعها أسلحة هجومية. بل سيمنعها من تنفيذ إي عدوان على الغير (إلا بموافقته) بغض النظر عن قوتها أو سلاحها. والأمثلة كثيرة مثل: صدام حسين، وكوريا الشمالية، وهتلر، وتهديد إسرائيل لإيران سنة 2015، إلخ.

وأخيراً، قد تقرر دولة ضعيفة أن تقوّي نفسها عبر تصنيع أسلحتها بنفسها. وهذا خيار مكلف جداً، ويتطلب قاعدة تصنيعية عريقة واسعة، ومدعمة ببحوث علمية وابتكارات وعلماء. لذلك ستجد هذه الدولة أنها لا تُصَنِّعُ، وإنما تُجَمِّعُ الفشك والاسلحة العادية التي لا ترجح كفة ميزان القوة الحقيقي. كما قد تحاول شراء أسلحة نووية، ولكن هذا لا يمكن إخفاءه، وسرعان ما ينكشف أمرها فيجلب غضب وقصاص المجتمع الدولي القوي – انظر إلى إيران والعراق وليبيا وكوريا الشمالية.

لماذا المحراث؟

من الناحية الاقتصادية، الصرف العسكري لا يساعد على التنمية، فعوائده سلبية. وحتى التصنيع الحربي لا يولد عائداً، إلا إذا كان الإنتاج متقدماً تقنياً لدرجة عالية، فتتسابق دول العالم لشرائه، فيصبح مصدراً هاماً لإيرادات التصدير التي تقوّي سعر صرف عملة البلد واقتصاده.

اما صرف الموارد المحدودة على المشاريع المدنية (المحراث)، فيولد عائداً مستمراً. فبالصرف على التعليم، والصحة، والبنية التحتية، وثم على المشاريع المنتجة الأخرى، تحقق الدولة رفاه للمواطنين، الذي هو المبرر الرئيسي لوجود الحكومات (بالإضافة طبعاً، لحفظ الأمن الداخلي والخارجي، والخدمات الأساسية، وتنظيم العلاقات التجارية والقانونية، وتطبيق العدل والمساواة).

لذلك، فإن الحكمة تشير إلى تجنب الدول (وخصوصاً دول العالم الثالث) تحويل مواردها المحدودة من أهداف مدنية إلى أهداف عسكرية. فمعظم دول العالم المتقدم تفعل ذلك! (انظر إلى جداول ما يسمى بالمصاريف الدفاعية في العالم)

طريق التنمية والسلام أصعب من طريق الحرب، فهو أطول مدىً ويتطلب حكمة ورؤية وتخطيط، ولكن نتائجه عادةً أفضل وأكثر ديمومة… راجع التاريخ وحاول أن تجد خلال الخمسة الاف سنة الماضية، دولة أو امبراطورية بنيت على الحروب ودامت.

نسبة المصاريف “الدفاعية” من الدخل الإجمالي المحلي

http://data.worldbank.org/indicator/MS.MIL.XPND.GD.ZS

الدولة20142015
العالم ككل2.28%2.28%
منطقة اليورو1.46%1.39%
الاتحاد الأوروبي1.53%1.49%
العالم العربي6.52%8.24%
أمريكا3.52%3.32%
روسيا4.17%5.01%
الصين1.93%1.98%
اليابان1.00%0.99%
فرنسا2.25%2.10%
بريطانيا1.98%1.85%
كندا1.00%0.97%
استراليا1.81%1.95%
الهند2.49%2.42%
الباكستان3.49%3.57%
اندونيسيا0.78%0.89%
ماليزيا1.45%1.54%
إيران2.33%N.A.
إسرائيل5.92%5.44%
تركيا2.22%2.13%
الجزائر5.56%6.24%
البحرين4.36%4.44%
مصر1.71%1.73%
العراق4.26%7.77%
الأردن4.33%4.31%
الكويت3.63%N.A.
لبنان4.96%4.75%
ليبيا7.99%N.A.
المغرب3.68%3.26%
عمآن13.39%14.07%
قطرN.A.N.A.
السعودية10.71%13.50%
تونس1.94%2.28%
الإمارات العربية المتحدة5.70%N.A.

قيمة المصاريف الدفاعية لسنة 2015

https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_countries_by_military_expenditures

الترتيب العالميالدولةالمصروفات الدفاعية - مليار دولار
1أمريكا597.5
2الصين145.8
3السعودية81.9
4روسيا65.6
5بريطانيا56.2
6الهند48.0
7فرنسا46.8
8اليابان41.0
9المانيا36.7
10كوريا الجنوبية33.5
11البرازيل24.3
12استراليا22.8
13ايطاليا21.6
14العراق21.1
15اسرائيل18.6

Share

4 آراء على “المِحْراث أم السَيْف؟”

  1. من المرجح أن يكون اقتناء السلاح مرتبط بنزعة العدوانية، فالفرد الأكثر عدوانية يشتري السلاح لأنه ببساطة عدواني يطمح للسيطرة على الغير والاستحواذ، فيما قد يجد الفرد الأقل عدوانية نفسه مضطراً لتسليح نفسه للدفاع عن حياته، وبالنتيجة تستمر النزعة العدوانية أو ربما تشتد ويستمر البشر في التسلح.

    وتوجد عدد من النظريات حول جذور العدوانية، فيرجع بعض علماء الأنثروبولوجيا ذلك إلى مرحلة الصيد من تاريخ التطور البشري للنوع الحالي من الإنسان homo sapiens، فمنذ ظهور هذا النوع قبل حوالي خمسين ألف سنة قضى الإنسان أربعين ألف سنة يقتات من الصيد والتقاط الجذور ولم يكتشف الزراعة إلا قبل عشرة ألاف سنة حيث بدأ التطور الحضاري للبشر.

    ويرى هؤلاء العلماء أن عدوانية الصياد تجذرت في نفوسنا ولم نستطع الفكاك منها، ويخالفهم بعض علماء الاجتماع والمفكرون الماركسيون الذين يعتقدون أن التنافس على ملكية الأراضي بعد اكتشاف الزراعة وإنشاء المدن ولد العدوانية والحرب.

    أما ابن خلدون (1332-1406) فرأى بان لا فروق بين البشر عند الولادة، فهم قادرون على ممارسة العدوانية كما التعاون، وتتشكل طبائعهم وصفاتهم نتيجة التنشئة والمعاملة التي يتعرضون لها في مجتمعاتهم، فإذا كانت المعاملة رقيقة والتربية حسنة اكتسب الفرد الفضائل والأخلاق الحميدة وحسن المعاشرة. أما إذا كانت التنشئة الاجتماعية قاهرة وظالمة وخالية من الرحمة فستشجع على نمو شخصيات غير سوية تتصف بالتكاسل وضياع الهمة أو الذل.

    وظهر بعض العلماء المعاصرون بنظرية تقول بأن العدوانية نزعة متوارثة، تنتقل من خلال مورث “جينات” gene للعدوانية.

    أما أكثر وأعلى الأصوات، فهي التي تؤمن بأنه لولا العدوانية وما تفرزه من طموح وتنافس وإقدام لتوقفت عجلة التقدم، ولربما عاد بنا الزمن إلى العصور المظلمة، ولكن من المؤكد أن العدوانية المتطرفة ولدت الحروب والعنف والمجاعة والظلم والتلوث البيئي وغيرها من الكوارث التي جلبها الإنسان على أبناء جنسه والبيئة التي يعيش فيها. وما أشبه العدواني المتطرف بالشيطان كما تخيله الشاعر ملتون (Milton) في ملحمته الشعرية الفردوس المفقود Paradise Lost مردداً: ” أُفضل أن أكون ملكاً في الجحيم على أن أكون تابعاً ومحكوماً في السماء”.

    وقد حفزني هذا الموضوع الشيق على إعداد كتاب حول هذا الموضوع عنونته ” الرمح والمحراث: نحو فهم جديد لاتجاهات وسلوك البشر”، وهو متوفر مجاناً.

  2. عندما تعتدي دوله فنلجأ إلى العالم الدولي لنصفنا فإن كان له مصلحه معنا ساعدنا بحدود تلك المصلحه و الا وقف مع المعتدي.
    إذا لا أتوقع ابدا ان ينصفنا العالم … و لن يقف أحد مع الضعيف

    1. هذه سنة الحياة… أو سنة الغابة… ولكن، ما هي خيارات الضعيف؟ حاولنا في المقالة الساخرة “اسبارطا الجديدة” استكشاف الخطوط العريضة لبعض هذه الخيارات…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.