البوكر والعلاقات الدولية الأمريكية

البوكر والعلاقات الدولية الأمريكية

نعلم أن الرئيس ترامب ابن سوق محنك يعرف من أين يؤكل الكتف وكيف ينجح في التجارة. كما نعلم أن التمويه والخداع بالإضافة إلى الترعيب والتهديد أدوات أساسية في عقد الصفقات التجارية. ولكن حتى ينجح مفعول هذه الأدوات، يجب أن تُصْحَب برؤية واضحة وأهداف محددة، وإلا سرعان ما تستنفذ ميزتها وتفقد قدرتها على التأثير كما هو مطلوب منها.

التمويه والخداع تكتيك قصير المدى ويَفْتَرِض أن الطرف الآخر غبي أو على الأقل مغفل وساذج. ولكن لا يمكن تكرار استخدام نفس الخدعة لأن سرعان ما يكتشفها الخصم ويرفضها… فما هو المخرج عندئذٍ.

أما بالنسبة لأداة الترعيب والتهديد، فهذه توفر نافذة مؤقتة يمكن من خلالها تمرير أهداف محددة. إلا أن مشكلتها أنها تحتوي مخاطر ضمنية خصوصاً عندما يساء استخدامها، كمثلاً حشر فأرٍ في الزاوية فيتحول فجأةً إلى أسد مزمجر. والأسوأ أن تستخدم خطأً مع دب أسود كبير أو تنين.

طبعاً، تستخدم هذه الأدوات بكثرة في لعبة البوكر، حيث يوزع على اللاعب الورق وعليه فوراً تقرير خطة لعبه في كل توزيعه. ولأن هذا لا يمنحه مجالاً للتفكير العميق أو الحكيم، فيستعيض عنهما بالشجاعة التي قد تكون طائشة، وربما بعض الحظ. لا شك أن اللعب المنتظم مع نفس المجموعة يولد قدرة على فهم وقراءة نفسياتهم وأفكارهم والتصرف على أساسها، ولكن اللعب مع لاعبين جدد يعني لعب أعمى عن قدرتهم وقوتهم وضعفهم، مما قد يجبر اللاعب على الدخول في تجارب تعود عليه بضرر كبير.

ليس هناك علاقة بين لعبة البوكر والعلاقات الدولية. فأحدها يعتمد على المدى القصير مصحوباً بمخاطر عالية، والثاني مبني للأمد الأطول ويتجنب المخاطر، أو يخفض حدتها. طبعاً، قد يتواجدا معاً في المجتمعات شبه البدائية حيث يسيطر فكر المدى القصير ويكون عادة مصحوباً بجهل وضعف عسكري. ولكن الجمع بين البوكر والعلاقات الدولية في التعامل مع المجتمعات المتقدمة، قد يكون وصفة لكارثة.

وتبدو الإدارة الأمريكية الحالية (إدارة ترامب) حديثة الخبرة بالعلاقات الدولية. فخبرة كثير من أعضائها محصورة في مجالات حزبية ضيقة، والإدارة محلية، والصحافة، والتجارة، وعسكرية بحتة. كما أنها تقاد من قبل شخصية مركزية جداً في اسلوب الإدارة، وبنفس الوقت حساسة جداً لدرجة أنها مستعدة لتغيير رأيها ومواقفها مرات حسب مزاجها، أو حسب فهمها للأحداث المعقدة، أو لمجرد تحقيق أهداف ضيقة قصيرة المدى.

لا شك أن خصوم ترامب الدوليون قد درسوا حلقاته التلفزيونية The Apprentice دراسة عميقة وحللوا نفسيته وطريقة تفكيره. لذلك، قد لا تنجح معهم سياسة البوكر.

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.