أم السياسات: سياسة العصى والجزرة!

السياسة الخارجية الأمريكية ذكية جداً. فهي تستخدم أدوات بسيطة لتحقيق ونشر اهدافها النبيلة حول العالم والمتمثلة بالسلام والرفاه والدمقراطية.

وهذه الأدوات مستنبطة من مبدأ “العصى والجزرة” الذي استخدم عبر التاريخ لتربية الأطفال، والتلاميذ، والحيوانات، والمجتمعات المتخلفة. ولكن تم تطويره وتحديثه باستبدال الجزرة بالمنح والمساعدات المباشرة كمكافأة للأولاد المطيعين، واستبدلت العصى بصولجان لسحق رؤوس المشاغبين – كما أوكلت الآن مهمة مراقبة التلاميذ المشاغبين للسفيرة نيكي هايلي.

ومع الوقت، أضيفت تحسينات قلصت المساعدات المباشرة، التي أصبحت مكلفة، فحل محلها سياسة نقل الصناعات الأمريكية إلى الخارج، الأمر الذي أتاح لها صيد عدة عصافير بحجر واحد. فضمنت طاعة الدول الموكل إليها مهام التصنيع، وتخلصت من التلوث الصناعي والبيئي فنقلته إلى الدول المصنعة الفقيرة لتحصل على منتجات أرخص بكثير من لو صنعتها محلياً. وبتخلصها من الصناعات التقليدية، استطاعت أمريكا خلق عصر بشري جديد وهو عصر “الثورة المعلوماتية” التي من خلالها استبدلت كوادرها العمالية الصناعية المنتجة بجيوش من الكتبة ومدخلي بيانات الكمبيوتر وأسمته بقطاع الخدمات.

وكما في المساعدات المباشرة، تستطيع أمريكا معاقبة المشاغبين بتطبيق عقوبات مثل المقاطعة والحظر على من منحتهم عقود تصنيع. فمجرد قدرتها على القول: “فليأكلوا هواتفهم النقالة والقنادر التي يصنعونها، لأننا لن نشتريها !” شكل تهديداً عظيماً وحافزاً قوياً لِتَعَلّمِ معظم دول العالم الثالث كيفية الرقص برشاقة على الأنغام الأمريكية.

أما بالنسبة للصولجان، فقد اكتشفت أمريكا أن المبالغة في استخدام هذه الأداة قد أحرجها أمام الرأي العام العالمي. فخرج مفكروها الأذكياء بحل ممتاز يتمثل بخلق “يدٍ خفية” لضرب المشاغبين. فقد سَلّمَت صولجاناتها إلى تشكيلة من دكتاتوريين محليين، ووكلاء، ومتعاونين، ومؤسسات نفع عام غير حكومية مصممة لهكذا غرض. فبهذه الطريقة، تمكنت الصولجانات من الضرب كيفما شاءت، دون ازعاج ضمير الشعب الأمريكي.

ولكن بعض التلاميذ كانوا محدودي الذكاء ورسبوا كذا سنة في نفس الصف، مما أفرز تلاميذ أكبر سناً وحجماً وقوةً من التلاميذ العاديين، مما زاد احتمال رد هؤلاء التلاميذ الوحوش بشراسة عند ضربهم، فيؤذوا المعلمين.

ومرة أخرى، ابتكر المفكرون المبدعون حلاً عبقرياً. فوسعوا مجال عقوبات المقاطعة والحظر لتشمل جميع المعاملات التجارية والمصرفية، والشركات، وحتى على مواطني دول ذات سيادة مستقلة، وأوصوا باستخدام هذه العقوبات المطورة ضد الوحوش من التلاميذ الراسبين، إما بالتعاون مع دول حليفة أو انفرادياً، وعند اللزوم تعزيزها ببعض صواريخ تماهوك. وفعلاً نجحت هذه الخطة نجاحاً باهراً، وسرعان ما أركعت من استهدفتهم وجعلتهم يبصرون الطريق المستقيم – وإن كان مسار الطريق هو حسب الرؤية الأمريكية.

وفرح المسؤولون الأمريكان كثيراً بلعبة المقاطعة، وكالأطفال في دكان الحلويات، بالغوا بالأكل حتى صحوا في أحد الأيام على مغص فظيع. فقد بالغوا بتطبيق الحظر والمقاطعة حتى لم يعد هناك من يتاجر ويتعامل معهم.

والأسوأ من ذلك، اكتشفوا فجأة بأنهم ما عدوا يصنعون الملابس أو الأغذية أو الأثاث أو الأدوات الكهربائية… إلخ. فقد أوكلوها جميعاً ومنذ سنين إلى الدول التي قاطعوها الآن!

ولكن أسوأ سيناريو على الاطلاق لم يحدث لحد الآن، ولكنه ليس بالبعيد. فمن المحتمل أن تصحى الدول الضحية والمقاطعة إلى أن “الثورة المعلوماتية” المزعومة ليست إلا نمر من ورق، لا يحميها سوى درع ركيك من معاهدات دولية لحماية الملكية الفكرية. وكمعظم المعاهدات، يمكن فسخها أو الاختلاف في تفسيرها أو حتى مقاطعتها واستبدالها بخدمات أو برامج كمبيوتر أو هامبرغر محلية. عندئذٍ ستسقط أخر ورقة توت، وينكشف ما لا أحد يريد أن يراه.

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.