بيع ذهب الزوجة

يبدو أن قلق الدول المصدرة للنفط قد ازداد، خصوصاً بعد أن اقتنعت بأن ايراداتها النفطية لن ترتفع في المدى المنظور، مما ينبئ بمستقبل مالي مضطرب وربما خَطِر.

فهذه فنزويلا على حافة الانهيار الاقتصادي والسياسي، ونيجيريا تصارع لموازنة سفينتها النفطية، والمكسيك تلهث لبيع انتاجها النفطي في سوق الآجل لدرء غول العجز المالي، وجميع الآخرون منكبون يبحثون عن مخارج من أزماتهم المالية. ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل قد يتفاقم ويسوء أكثر بكثير (وكنا قد أشرنا إلى ذلك قبل أكثر من سنتين، وحذرنا من أسوأ السيناريوهات في مقال بعنوان “حروب النفط”).

ازدهرت الدول الشرق الأوسطية المنتجة للنفط على ظهر سيل جارف من إيرادات نفطية استمر لأكثر من نصف قرن، إلا أنه جف فجأة فلم تعد الإيرادات تغطي المصاريف. وبعد فترة من الذهول ورفض تصديق الواقع الجديد، استدركت هذه الدول، وبدأت تبحث عن سبل لدرء العاصفة القادمة.

وقد تبنت الآن حلولاً جريئة، ومبتكرة، وتبدو جيدة، ولكن لا تخلو من المخاطر. فقررت إعادة هيكلة اقتصاداتها وتنويع مجالات إنتاجها وموارد دخلها، بالإضافة إلى فطم مواطنيها عن ضرع الدولة الريعي. ومن باب الزيادة في الحرص، أرفقت مع هذه الخطط برامج إصلاحات مالية التي في جوهرها برامج تقشفية. وبالرغم من نواياها الحميدة، تبقى هذه مجرد خطط وتحتاج إعادة تقييم وتعديل مستمرين. فنادراً ما تؤدي الخطط الجامدة إلى نتائج ناجحة.

ولتمويل خطط تنويع اقتصادها، اختارت معظم هذه الدول منحى بيع الأصول. وليس أي أصول، وإنما أصولها النفطية!

فقد أعلنت أبو ظبي مؤخراً نيتها بيع حصص أقلية في شركاتها النفطية غير الإنتاجية، أي تلك العاملة في مجالات خدمات النفط، والمصافي، وتجارة النفط، وخزانات النفط، وخطوط الأنابيب… إلخ. وأكدت بعدم وجود نية لبيع أي جزء من عمليات استخراج النفط. وقد عللت هذه الخطوة بأنها تولد رأسمال لتمويل خطط التنويع الاقتصادي، وكذلك تحفز وتشجع الزبائن الذين يساهمون في شركاتها على زيادة مشترياتهم من باب أن جزء من العائد يعود لهم.

كما أعلنت عمآن قبل ذلك بقليل عن نيتها تطبيق خطة مشابهة وبيع جزء من أصولها النفطية (غير المنتجة) لجذب رؤوس الأموال الأجنبية. ومن الأساليب التي اختارتها كان عرض حصة في شركة صلالة للميثان المدرجة في بورصة مسقط. ويتميز هذا الأسلوب بفائدة إضافية، وهي تنشيط البورصة العمانية الفاترة.

وكذلك أعلنت السعودية العام الماضي عن خطة طموحة جداً لتنويع اقتصادها، تمول من خلال بيع 5% من شركة أرامكو العملاقة التي تخيم على غالبية الإنتاج النفطي في المملكة. ويتوقع أن تبدأ عملية البيع مع نهاية سنة 2017 – بشرط التوصل إلى تقييم مرضٍ للبائع وكذلك للمشترين المستهدفين.

أما الكويت فقد اختارت اسلوباً مختلفاً لتمويل خطة تنويع اقتصادها، فاستناداً على تصنيفها الائتماني العالي وانخفاض الفوائد المصرفية السائدة، مالت نحو الاقتراض من السوق العالمي – على أن تقلق فيما بعد بشأن كيفية خدمة وسداد هذه القروض.

كل هذا يبدو جميلاً وإيجابياً، ولكن، ماذا سيحدث لو فشلت هذه الخطط؟ فسيرة هذه الدول في الإدارة الاقتصادية لا تعكس اطمئنانيه تامة. فبالرغم من تدفق مئات مليارات الدولارات لفترة امتدت من 50 إلى 80 سنة، لم تنجح تماماً في تحقيق تنمية حقيقية، ولم تنجح في تنويع اقتصاداتها. فلماذا تعتقد بأنها الآن قادرة على إنجاز هكذا تحويل جذري خلال 5 إلى 15 سنة؟

لا شك أن الخطط المعلنة للكويت والسعودية طموحة جداً ومثيرة للإعجاب، ولكن ما مدى واقعيتها؟ لا بد من قطع الشك ولو ببعض اليقين، من خلال عرض تفاصيلها بشفافية واضحة، بما في ذلك الجدوى الاقتصادية من برامجها المختلفة معززة بالأرقام المالية وتحاليل الكلفة والإيرادات، إلخ.

وثانياً، تتطلب الواقعية الاستفسار عن مدى إمكانية بيع هذه الأصول بأسعار جيدة بالنسبة للبائع – لا شك أنها مهمة صعبة جداً. فالأسواق ليست في صالح البائعين، خصوصاً أولئك المضطرين للبيع. كما أن الاقتصاد العالمي يتأرجح حالياً، وكذلك أسواق المال والاستثمار. وناهيك عن أسواق النفط التي تتخبط بين الأمل والإحباط. وثم من أين ستجد هذه الدول المستثمرين العاقلين الذين سيصرفون رؤوس أموالهم لشراء حصص صغيرة جداً في مؤسسات تعود غالبية ملكيتها إلى حكومات قد تقرر وتغير في أي وقت سياسة تشغيل هذه المؤسسات أو الشركات؟

أما ثالثاً، نلاحظ أن معظم هذه الدول تميل إلى تطبيق فوري (ويبدو ارتجالي) لبرامج تقشفية شديدة، مما يعتبر تعثير لعملية التنويع الاقتصادي حتى قبل أن تتخذ خطوتها الأولى. فمبدأ تنمية الاقتصاد وتنويعه يفترض أن السوق مليء باللاعبين المتساوين، بينما سياسة التقشف تعثر النمو الاقتصادي وتزيد الفوارق الطبقية في الثروة والدخل – وحتى صندوق النقد الدولي قد أعترف بذلك… ولو على مضض.

وأخيراً، هناك سؤال مزعج يرفض أن يختفي. لماذا يقوم أي مزارع ببيع جزء من بقرته وبالتالي يفقد وإلى الأبد جزء من إيرادات حليبها؟ خصوصاً وأن هذه الدول تستطيع تسيير أعمالها من خلال تقليص الهدر، والتبذير، والمصاريف العسكرية والأسلحة؟ كما يمكنها تطوير انتاجها النفطي، مثلما يستطيع المزارع تطوير حليب بقرته للحصول على عوائد أكبر بإنتاج الزبدة والجبنة والقشطة. فمن خلال تقليص الهدر والتبذير والمصاريف العسكرية، وتطوير قطاعها النفطي لإنتاج سلع ذات قيم أعلى، تستطيع هذه الدول تمويل خطط تنويع اقتصادها – وحتى لو كانت أقل طموحاً من الأمنيات الحالية، وحتى لو استغرقت فترة أطول قليلاً. فبذلك تستطيع المحافظة على البقرة كاملةً، بالإضافة إلى تقليص حجم المخاطر مما سيحسن قدرتها على مواجهة ومعالجة أي خلل يطرأ.

يذكرنا هذا الحديث بالقصص الشبه الفولكلورية عن المليونير العصامي الذي تعثر، فباع ذهب زوجته ليعود إلى القمة. ولكن لا تأتي هذه القصص الفولكلورية بأي ذكرٍ لألاف التجار الذين تعثروا وباعوا ذهب زوجاتهم ولكن لم ينجحوا، فأفلسوا وعاشوا في فقرٍ مدقع.

Share

رأيان على “بيع ذهب الزوجة”

  1. عندما يكون متخذ القرار السياسي … ليس من ذوي ألاختصاص وعديم إلإنجاز … ولا يآخذ آراء الخبراء … ولايعتبر من تجارب الآخرين … ويسبح محيطه بالفساد … نصل الى حالة بيع الجمل بما حمل !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.