تقاعد الأسود

كان يا مكان في قديم الزمان، غابة غّنّْاء كثيرة العشب والكلأ، فعاشت جميع الحيوانات في رغدٍ وشبعٍ وبالأخص الأسود الذين تربعوا على قمة السلسلة الغذائية، يأكلون ما يطيب لهم. ولكن مع مرور الوقت بدأ كبير الأسود ورئيسهم، أبو حَفْص، يلاحظ تراخٍ في أداء الأسود أثناء غزوات الصيد. فلا يشاركون بحماس في مطاردة الفرائس، ويتظاهرون بالانطلاق مع الفرقة الغازية للحظات ثم يبطؤون فتفلت الفريسة. ومع تكرار هذه الظاهرة المزعجة، ازداد قلق أبو حفص، واستدعى الثعلب، أبو الحصين، وكذلك النِسْر، أبو هيثم، واستشارهما بهدف دراسة الوضع وإيجاد حل للمشكلة. واتفق معهما على اتعاب نصف غزال يتناصفونه بينهما.

الحل الأول

وبعد يومين، عادا وأخبرا الأسد بأن المشكلة واضحة وسهلة وقالا: “يا أبو حفص، إن الأسود قد أفرطوا في السمنة وما عادوا قادرين على الجري وراء الغزلان والطرائد الأخرى. وننصحك بفرض عليهم تمارين رياضية تعيد لهم نشاطهم، وحمية تخفض وزنهم، وهددهم بأن مَنْ لا يشارك بنشاط في عملية الصيد، يمنع من الأكل منه”. فَرِحَ أبو حفص بهذه النصيحة السهلة (ظاهرياً) وشكرهما ودفع له أتعابهما على شكل فخذ غزال نصفه مأكول.

وفي اليوم التالي، دعا أبو حفص الأسود لاجتماع عام وأخبرهم بقراره. فثارت الأسود وعلت أصواتها منددة بالقرار وسرعان ما تحولت إلى هتافات تطالب بسقوط الرئيس وثم صُعِّدَت إلى مظاهرة صاخبة مصحوبة بأعمال شغب. اندهش أبو حفص من ردة الفعل هذه والتي لم يشاهد مثلها من قبل، خصوصاً وأنه اعتبر نفسه رئيساً جيداً يعمل بإخلاص لمصلحة رعيته، فانسل بهدوء عائداً إلى عرينه الذي حَصَّنَهُ بطوقٍ من أشباله، وثم استدعى الثعلب والنسر وأنبهما بشدة على نصيحتهما.

تمسك النسر برأيه، وشرح للأسد صواب توصيتهما وأن الأسود لا تريد سماع الحق. وطالبه بعدم التراخي أو التراجع، والإصرار على تطبيق التوصية ولو تدريجياً. أما الثعلب، فقد ارتعب في البداية من غضب الأسد، ولكن سرعان ما تدارك نفسه وقرر الاستجابة لمزاج الأسد، فقال بثقة تامة: “اطمئن، يا مولاي، عندي لك مخرجاً يرضيك ويرضي الأسود. ولكنه يحتاج بعض البحث والتعديل.” فهدأ الأسد لكلام الثعلب الذي تماشى ورغبته، ثم التفت إلى النسر وشكره على جهده وصرفه، وخاطب الثعلب: “هات يا مكار، ما عندك؟ وكم ستكلفني؟”

ابتسم الثعلب وعرف أن الميدان أصبح له وقال: “يا أبو حفص، هذه عملية معقدة وتتطلب مصاريف كثيرة. لذلك ستكون أتعابها أربع غزلان.” وتوقف قليلاً ونظر إلى وجه الأسد، ولما لم يرى علامات امتعاض، أكمل: “غزالان مقدماً لزوم العلاقات العامة، وغزالان بعد انجاز المهمة. فما رأيك؟” أدرك الأسد أنه متورط ومحشورٌ في زاوية وليس لديه خيارات أخرى، فوافق على شروط الثعلب وأمر أشباله بحمل جثتي غزالين إلى بيت الثعلب البعيد.

الحل الثاني

وبعد عدة أيام، قَدَّمَ الثعلب خطته: “يا أبو حفص، بعد دراسة عميقة، وجدت أن لا جدوى من اقناع الأسود في تخفيف وزنهم، أو ممارسة الرياضة، أو المشاركة في الصيد. نصيحتي أن تحولهم إلى التقاعد وتُعَيِّنُ أشبال نشطاء بدلاً منهم في كتيبة الصيد.”

برزت بوادر ابتسامة إلى وجه الأسد للحظة، ثم اختفت وتساءل بقلق: “ولكن كيف سأطعم أعداد كبيرة من أسود متقاعدة بينما ما زالوا شباباً وسيعيشون طويلاً. كما أنهم في سن الصيد وقادرين على تغذية أنفسهم؟ إنك تحملني أعباءً لا طاقة لي بها.”

طمأنه الثعلب: “لا تقلق، فالخير كثير والغابة ثرية ومليئة بالفرائس. فإذا جَدَّدْتَ كتيبة الصيد وطَعَّمْتَها بالأسود الشابة النشطة وتخلصت من الكسالى بالتقاعد، سيزداد حجم صيدك أضعافاً مضاعفة. بل ستتمكن من التبرع بجزء من الفائض إلى الحيوانات المفترسة الأخرى فتكسب ودها وولاءها.” فعادت الابتسامة إلى وجه الأسد، وأمر أشباله بنقل غزالين إلى بيت الثعلب سداداً لأتعابه المتفق عليها.

وهكذا تم تحويل معظم الأسود في كتيبة الصيد إلى التقاعد واستبدلوا بأشبال نشطاء ومتحمسين. ولكن سرعان ما اتضح أن خبرة الاشبال في الصيد محدودة مما أفشل معظم غزواتهم. وبعد عدة أشهر، تعب الأشبال من الصيد المرهق وطلبوا التقاعد رغبةً بحياة هادئة مريحة. فاستبدلوا بأشبالٍ جُدُد، وهكذا تكررت العملية مراراً وبنفس النتائج الفاشلة.

ولكن الغريب في الأمر أنه بالرغم من فشل عمليات الصيد، إلا أن كمية الغذاء المتوفرة للأسود لم تتقلص، وبقوا مفرطي السمنة وبالكاد يمشون مئة متر دون الحاجة للاستراحة تحت ظل شجرة. واستغرب كبيرهم من هذا الوضع وطلب من الثعلب تفسير هذه الظاهرة، واتفقا على أتعاب عشرة غزلان للثعلب، قبض نصفها مقدماً.

الحل الثالث

عاد الثعلب بعد أسبوع وقدم تفسيراً مدعماً بالرسوم البيانية وجداول الأرقام وقال: “يا أبو حفص، أنتم يا معشر الأسود، مباركين ولستم بحاجة للصيد، لأن رزقكم يأتيكم من تلقاء نفسه. فبحُكْمِ حجمكم الكبير وشراستكم الفتاكة، فإن معظم الأسود لا ترهق نفسها بالصيد وتعتمد على ما يصطاده غيرها من الحيوانات المفترسة. فكل ما عليهم هو الجلوس في الظل ورصد السهول، فإن رأوا نمراً أو فهداً أو ذئباً يطارد فريسة، راقبوه حتى صادها، ثم هرولوا إليه وأجلوه عنها وأكلوها. إنهم يستخدمون الغابة كمطعم وجبات سريعة والحيوانات المفترسة كطباخين خاصين لهم!” استوعب الأسد شرح الثعلب، وهز رأسه حزناً على اختفاء تقاليد الأسود العريقة، وتمتم: “إذا كان هذا ما يريدونه، وهذا ما يريحهم ويحقق امنياتهم، فليكن الأمر كذلك.” وأمر للثعلب بقية أتعابه.

النتيجة

ومرت السنين على هذا المنوال والأسود سعداء ومرتاحي البال والجسد، إلى أن بدأت الأرض تجدب من شح المطر (ربما بسبب التغير المناخي) وبدأت المراعي تتقلص ومعها الحيوانات النباتية التي هاجرت إلى مراعي جديدة في غابات مجاورة. وتقلصت كذلك اعداد الحيوانات المفترسة التي إما ماتت جوعاً أو كذلك هاجرت. أما الأسود، فقد اكتشفوا بأن أكلهم أخذ يقل وأن الوجبات السريعة الجاهزة قد اختفت، واضطروا للبحث عن ومطاردة الفرائس بأنفسهم ولكن نادراً نجحوا بصيدها. فقد نسوا مهارة الصيد وفقدوا النشاط والقدرة الجسدية لهكذا عمل مضني وشاق، ولكن ضروري لحياة كريمة.

وبدأت الأسود تجوع وتمرض وأحياناً تموت من سوء وقلة التغذية، وأخذت تتكتل في أحزاب تقاتل بعضها لأتفه الأسباب، حتى على بواقي عفنة لفريسة مأكولة. ولما اشتد الأمر عليها، أخذت تلوم أبو حفص تُحَمِّله مسؤولية الأوضاع السيئة تتهمه بسوء الإدارة.

وازداد حزن وغم أبو حفص وبدأ ينعزل تدريجياً عن قومه ويقضي وقته جالساً تحت شجرته المفضلة يراقب الأفق بحثاً عن غيوم محملة بالمطر. وذات يوم، إذ هو جالس ينظر إلى السماء، رأى صديقه النسر يحط عل غصن فوقه، فصرخ: “آه يا أبو هيثم، أين كنت كل هذه المدة؟ لقد اشتقت لحوارك الحكيم، يا ليتني اتبعت نصيحتك لا نصيحة الثعلب المكار. لماذا لم تصر على رأيك وتجبرني عليه؟”

ابتسم النسر ابتسامة بها شفقة وقال: “لقد حاولت مراراً، ولكنكم جميعاً كنتم قد قررتم مسبقاً على الطريق السهل والخاطئ، وفضلتموه على الطريق الصعب والصائب، فقد أقفلتم أذونكم لأي رأي مختلف. فانجذبتم للأهداف قصيرة المدى الوردية وتجاهلتم أهداف المدى الطويل فضمنتم بذلك حتمية النتائج المؤلمة الحالية.” ثم رفرف جناحيه وأضاف: “المهم، يا صديقي، قد جئت أودعك لأني مهاجر إلى غابة أكثر أماناً، فقد أصبحت لحوم النسور أكلةً شهية في هذه الغابة!”

Share

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.