مسرحية النفط

مسرحية النفط

تحليلات نفطية كثيرة، وآراء أكثر، واستنتاجات تتأرجح كالبندول، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بين المعقول وغير المعقول. يبدو وكأن الجميع يهرول في نفقٍ مظلم فلا يرون المخرج. 

فيرى البعض أن تخفيض منظمة أوبك لإنتاجها النفطي قد نجح بالتزام 80-90% من الأعضاء، بينما يرى البعض أنه نجح بالرغم من التزام فقط 60% من المنتجين. ويبدو أن “النجاح” للمجموعتين يعني صعود السعر إلى منتصف الخمسينات (دولار) للبرميل.

وبالمقابل يرى البعض أن أوبك قد فشلت، معتبرين أن توقف الصعود عند منتصف الخمسينات يعكس فشل تخفيض الإنتاج في دفع السوق نحو مستوى الستينات أو أعلى. بينما يرى البعض بأن مستوى منتصف الخمسينات جيد جداً وأنه سعر مرحلي، يُرَيِّحُ عنده السوق وثم يعاود الصعود.

وهناك المتشائمون الذين يرون أن مصير السوق هو الهبوط، عاجلاً أم آجلاً، نحو مستوى ثلاثين دولار للبرميل. ويفسرون ذلك بضعف الطلب، وضخامة المخزون النفطي الخام والمكرر في أمريكا، وبقاء الإنتاج عالياً. طبعاً، كل طرف يُدَعِّمُ رأيه واستنتاجاته بالتحليلات والأرقام الإحصائية المقنعة في حينها وفي اسلوب صياغتها وطرحها. فيركز المتشائمون على أن الإنتاج الأمريكي قد صعد 400 ألف برميل يومياً في الأشهر القليلة الماضية ومتوقع له أن يزداد 80 ألف برميل أخرى في مارس الحالي. وأن ليبيا قد زادت انتاجها 100 ألف برميل، ونيجيريا تهدد بإعادة انتاج 500 ألف برميل من ابارها المتوقفة بسبب الإرهاب، وروسيا لم تخفض سوى 100 ألف برميل من الثلاثمائة ألف برميل التي تعهدت بتخفيضها. ويشيرون إلى أن روسيا والسعودية في الأساس رفعتا انتاجهما قبل اتفاق أوبك، إلى مستويات قياسية ومن عندها تم التخفيض، مما يضعف تأثير تخفيضهما على السوق. ومن ناحية أخرى، تتداول الآن أنباء بأن العراق غير سعيد بحصته من التخفيض، ويرغب تعديلها في اجتماع أوبك القادم.

ثم فاجأنا الأسبوع الماضي إفصاح شركتا نفط رئيسيتان (شركة كونوكو فيليبس وشركة إكسون) عن شطبهما لحوالي 4.7 مليار برميل من مخزونها المعلن في حقول كندا، معللين ذلك بأن استخراجه بالأسعار السائدة لم يعد مجزياً اقتصادياً، وأن القوانين الحازمة لبورصة نيو يورك ترغمهما على هذا الإفصاح. فهل كان توقيت هذا القرار والإفصاح صدفة؟ يساورنا الشك في ذلك، لأن من أهم أهداف شركات النفط هو رفع سعر النفط، وبتوقيت إعلان الشطب الآن والسوق عالق ويتأرجح عند منتصف الخمسينات، يوحي بأن كميات النفط في العالم في تقلص، مما قد يحفز المضاربين على الشراء ورفع الأسعار – ولو على المدى القصير. كما أن هذا الإعلان لن يضر الشركتان كثيراً لأن قيمة المخزون أصلاً خارج الميزانية، وباستطاعتهما إعادته في أي وقت لاحق بادعائهما أن استخراجه أصبح مجزياً بسبب ارتفاع الأسعار أو تقلص كلفة استخراجه نتيجة لتقنيات جديدة. كما أن شركة إكسون لوحدها ما زالت (بعد الشطب) تمتلك مخزون يقدر بحوالي 20 مليار برميل. فعلينا الآن مراقبة افصاحات شركات النفط الأخرى لمعرفة إن كانت ستنحو منحى هاتين الشركتين في شطب جزء من مخزونها، وبالتالي التأثير الإيجابي على سعر النفط.

كما علينا ألا ننسى بأن شركة أرامكو السعودية في مرحلة التقييم، قبل طرحها للاكتتاب العام في نهاية هذه السنة، وبالتالي ستتأثر قيمة مخزونها ايجابياً في حال أن العالم شعر بأن المخزون العالمي بتقلص.

يبدو أن الجميع يبحث عن “القشة” التي تتوافق مع رغباته وأمنياته، لعلها تنقذهم من الغرق في بحر العوامل والأمواج المتضاربة. فحتى دواهي الاستثمار مثل جولدمان ساكس، آخذين بإصدار آراء وتوقعات متناقضة كل بضعة أسابيع أو أشهر. ولأن أسعار النفط تتأثر على المدى القصير بتوقعات ونفسيات المضاربين في بورصات النفط، ترتفع بتفاؤلهم وتهبط بتشاؤمهم، فلا نستغرب كثرة الآراء والتحليلات وحتى الإشاعات – فكل حركة صعود أو هبوط تحقق أرباح للمضاربين.

أما على المدى الأطول، يضمحل تأثير الإشاعات وتبقى المعطيات الأكثر واقعية، والتي أهمها وجود حاجز مقاومة قوي لسعر النفط عند مستوى حوالي 70 دولار يصعب تخطيه وبالتالي من الصعب توقع طفرة إيرادات نفطية مشابهة للسابق – إلا إذا حدثت تغيرات جيوسياسية قوية. كما أن المدى الطويل جداً يعكس تشاؤماً تجاه النفط وبقية الوقود الهيدروكربوني بسبب سياسات الإحلال الطاقة المتجددة المتوقعة بحلول سنة 2050. فهل بدأت الدول المنتجة تجهز نفسها لذلك الزمان؟

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.