لو دامت لغيرك ، ما إتصلت إليك !

لو دامت لغيرك ، ما إتصلت إليك !

لكل منتج أو سلعة دورة حياة شبه ثابتة. تبدأ في اكتشاف أو اختراع أو بداية تسويق السلعة ، ثم تنتقل إلى مرحلة النمو والرواج ، ثم النضوج وأخيراً الانكماش يتبعها الاندثار لتحل سلعة أخرى في مكانها.

لمحة تاريخية سريعة

كذلك بالنسبة للنفط الذي بدأ واشتد تسويقه التجاري في أواخر القرن التاسع عشر وتربع لفترة على عرشه روكفلر الجد. ثم نمت في القرن العشرين “الاخوات السبعة” وهو الاسم الذي كان يطلق على شركات النفط العملاقة التي أصبحت أقوى من دول كثيرة. ثم جاءت مرحلة تأميم الدول المنتجة لنفطها وإنشاء منظمات مثل أوبك و أوابك الذي مكّن من رفع العوائد وبعدها مكّن من خلق أزمة البترول في منتصف السبعينات الأمر الذي سرّع في تطوير سياسات جيوبوليتيكية للسيطرة على النفط وضمان تدفقه للأقوياء أو من يرضى عنهم الأقوياء ، وكذلك سرع في خلق الظروف لإمتصاص الفوائض النفطية الهائلة والتي عرفت بالبترو دولارات.

وفي هذه الأثناء استمر العالم المتقدم في البحث العلمي لإيجاد بديل اقتصادي للبترول والغاز والفحم. ولفترة عقدت الامآل على الطاقة الذرية وما زالت تنمو في بعض الدول بالرغم من التحفظات عليها بعد حوادث شيرنوبل في أوكرانيا ، وفوكوشيما في اليابان ، وقبلهما في ثري مايل أيلند في أمريكا. ولكن الأمل الحقيقي معقود على الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية والرياح والهيدرو (طاقة المائية) التي قطعت شوطاً كبيراً من التطور واصبحت تكلفة انتاجها قريبة جداً من تكلفة النفط عندما كان سعره 120 دولار للبرميل. (مع ملاحظة أن الكلفة الحقيقية والكاملة للنفط تشمل الضرر البيئي وهي أعلى بكثير من سعر بيعه خام حتى عند مستوى 30 دولار).

الضرر البيئي

يعتبر النفط نعمة على العالم مكنته من تنمية وسائل النقل والمصانع و وفرت عيشة هنيئة للدول المتقدمة والغنية من خلال انارة المنازل وتشغيل الثلاجات والأفران والمكيفات والدفايتهم والتلفزيونات… إلأخ. وكان الاتجاه يسير لنشر هذه النعمة تدريجياً إلى الدول الفقيرة والنامية… طالما استطاعت دفع قيمة النفط الذي تستهلكه.

ولكن هناك وجه سلبي للنفط وبقية المواد الهيدروكاربونية. أهمها على الاطلاق هو تدميرها للبيئة والمناخ وقتل تدريجي للكوكب الذي نعيش عليه. وتشكّل أمريكا والدول المتقدمة أكبر الملوثين (أنضمت إليهم الصين والهند في السنوات الأخيرة) ، إلا أنهم ولعشرات السنين وقفوا حجر عثرة أمام تمرير أي اتفاق عالمي لمعالجة المشكلة. فالعالم المتقدم يرفض تقنين استهلاكه أو تهديد تفوقه الاقتصادي والعسكري أو زيادة تكاليف انتاج السلع التي يتمتع بها.

لذلك أصبح السباق بين سرعة تدهور المناخ وبين سرعة اختراع طاقة بديلة آمنة وبتكلفة مقاربة للنفط. والآن لما أقتربت إمكانية توفير الطاقة البديلة، فجأة تلاشت الموانع ونجح مؤتمر باريس (الذي ضم 196 دولة) بالموافقة وبالإجماع على اتفاقية جديدة تبدو وكأنها قابلة للتطبيق ، ولو بلوّي بعض الأذرع.

ماذا أقرت اتفاقية باريس للمناخ؟

تفرض الاتفاقية على جميع دول العالم أخذ التدابير والخطوات الملموسة لتقليص نسبة ارتفاع درجة حرارة العالم. ويتم ذلك بتقليص كل دولة للغزات الضارة التي تولدها وتتعهد أن تلتزم بكوتا تخفيض يعاد النظر فيها كل خمس سنوات. وباختصار تنص الاتفاقية على:

1) سقف لزيادة درجة حرارة العالم: على أن لا تزيد عن 2 درجة مئوية عن مستواها في زمن ما قبل الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر. هذا جيد ، ولكن درجة الحرارة الحالية أعلى بواحد ونصف درجة من درجة الحرارة السائدة في تلك الأزمنة الغابرة. فما هي قدرتنا على حصر الزيادة بفقط نصف درجة مئوية أعلى من مستواها الحالي؟ كما أنه ليس من المؤكد أن 2 درجة كافية لمنع التدهور المتوقع في العالم. ربما كان من الأفضل المحافظة على درجة الحرارة الحالية… إن كان ذلك أصلاً ممكناً ، وإن كان كافياً لدرء الكارثة القادمة.

2) المحافظة على غابات العالم: حتى تبقى لدى كوكبنا القدرة على امتصاص ثاني أوكسيد الكربون والسموم الجوية وتحويلها إلى أكسجين. طبعاً غالبية الغابات الاستوائية موجودة في الدول النامية مما يعني تخفيض قدرتها على استغلال مواردها الطبيعية من غابات. وتنوه الاتفاقية إلى امكانية تعويض هذه الدول عن ما تفقده من ايرادات ولكن لم تحددها واكتفت بالإشارة إليها باصطلاح: “توفير تحفيزات”.

3) مساعدة دول النامية في المحافظة على البيئة: من خلال توفير وسائل التمويل للاسراع في تطبيق برامج بيئية متفق عليها. لم تذكر الاتفاقية مبالغ محددة و إن كانت هذه منح أم قروض وبأي نسب فوائد. كما لم تذكر من سيوفر هكذا برامج وبأي تكلفة. يبدو أن الدول النامية ستقع في فخ جديد.

4) الرقابة على تطبيق الاتفاقية: ليست محددة ولكن تعتمد على ميثاق شرف بين الدول! ولكن تصر أمريكا واوروبا على وضع نظام رقابة وتقييم لمدى إلتزام الدول ببنود الاتفاقية.

5) تخفيض فوري للغازات الناتجة عن حرق المواد الهيدروكربونية: بهدف إيقاف نمو التلوث الجوي على أن تمنح الدول النامية بعض المرونة في تعديل أوضاعها (وكذلك للصين والهند اللتان في وضع مزري للتلوث الجوي). ويهدف هذا البند إلى تحقيق توزان بين الغازات الناتجة عن حرق الوقود وقدرة الغابات على امتصاصها على أن يتحقق هكذا توازن مع حلول منتصف القرن الحالي (أي بعد 34 سنة فقط). ولأن هذا البند مزعج جداً للدول المنتجة للنفط وينبئ بفنائها ، فقد تم اللعب بلغة البند بحيث بدى وكأنه يسمح بإنتاج بعض الوقود الهيدروكربوني بشرط أن تستطيع غابات العالم من امتصاص الضرر النتاج.

6) تعويض الدول المتضرر من ارتفاع درجة الحرارة: خصوصاً تلك الدول التي سيطمرها البحر في السنوات القادمة. ولكن لم تحدد مبالغ مما أزعج معظم هذا الدول التي في غالبيتها جزر استخدمها منظموا الاجتماع لزيادة كفة الموافقين على الاتفاقية. وقد قدر الحد الأدنى للمبلغ المطلوب بحوالي 100 مليار دولار سنوياً ولكنه حذف من نص الاتفاقية وكذلك كيفية منحه. كما حرصت الاتفاقية على عدم الاشارة إلى مسؤولية التلوث وتحديد من يتحملها وبالتالي ضمنت عدم الرجوع على الدول المتقدمة بالتعويض. ولكن مع حظها المتعثر ، قد تجد الدول المنتجة للنفط بأنها متهمة بكونها أكبر مستفيد من التلوث وبالتالي تحمّل عبئ تعويض الأضرار بفرض عليها رسوم تدفعها عن كل برميل تنتجه.

ماذا يعني هذا بالنسبة لنا في الخليج؟

1) نهاية للانتاج اللامحدود: لن تستطيع الدول المنتجة زيادة انتاجها لأي سبب. فلا لزيادة الإيرادات ، ولا للمحافظة على الحصص السوقية ، ولا لإسترجاع مصاريف استكشاف النفط أو تطوير الحقول والابار. وقد تنشئ الاتفاقية آلية خاصة تنظم وتشرف على ذلك وتعاقب من يخل بها. يبدو أن حرية التصرف السيادي للدول النفطية على وشك التقلص. وكذلك بالنسبة للأوبك ، التي في جميع الأحوال تحتضر.

2) نهاية لقدرتنا على زيادة ايرادات النفط: إذا زدنا انتاج النفط هبطت الاسعار (وربما فرضت علينا غرامات أو حظر شراء نفطنا) فتقلصت ايراداتنا. وإن خفضنا انتاجنا تقلصت ايراداتنا. أي النتيجة واحدة بغض النظر عن ما نفعله. يبدو أن مستوى ايراداتنا الحالي هو أقصى ما يمكن توقعه في السنوات الثلاثين القادمة! مما يعني تفاقم العجوزات المالية في ميزانيات الدول الخليجية ما لم تتدارك وتغير اسلوب الادارة العامة للدول 180 درجة… وهذا يحتاج إلى معجزة.

3) نهاية لتوفير طاقة لا محدودة ورخيصة لأنفسنا: الاستهلاك المحلي للنفط في الدول الخليجية في تزايد سريع وبدأ يأكل حصة مؤثرة من انتاجها. فإذا فرض عليها تقليص انتاجها قد لا تجد سوى تقليص الاستهلاك المحلي وتحويله إلى صادرات.

ماذا نفعل؟

يمكننا الاستمرار في اسلوب حياتنا الحالي ، وهو الخيار الأسهل وغير مرهق فكرياً. مشكلته الوحيدة أنه يورث أولادنا وأحفادنا مجتمع واقتصاد غير قادر على توفير الرزق لأفراده. كما يمكننا من الآن تجهيز الوقاية ببدء عمل نقلة نوعية في مجتمعاتنا لعلها تخفف من شر السلبيات القادمة. ومقالة كهذه ليست المكان المناسب لطرح موضوع ضخم مثل تقلص ايرادات الدول المنتجة للنفط على المدى الطويل وسبل معالجته ، ولكن فوراً تخطر على البال الأوليات التالية:

1) إيقاف التبذير والصرف غير المنتج في المال العام. وهذا يشمل تقليص مصاريف مشاريع الوجاهة ومصاريف التسليح. 

2) الجنح إلى السلم الداخلي والخارجي ومعالجة الخلالفات المؤججة للتوتر. 

3) تقليص جوهري في مناهج التعليم النظرية وغير العملية وزيادة التعليم والتدريب المهني. 

4) تقليص مصاريف جهاز موظفي الدولة. 

5) تقليص عدد السكان من خلال الاحلال في الوظائف وكذلك من خلال عكس سياسة تشجيع المواطنين على الانجاب. 

6) تشجيع القطاع الخاص على الانتشار عالمياً خارج حدود البلاد. 

7) تقليص الاستيراد وخصوصاً السيارات والكماليات. 

8) البدء بفرض ضرائب متنوعة خصوصاً على المبيعات.

طبعاً هناك امور أخرى كثيرة تحتاج إلى معالجة وتتطلب جهد من مفكري ومهنيي دول الخليج لعلهم يفلحون في إنقاذ الأجيال القادمة.

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.