دمج البنوك… بين حآنا ومآنا

يحكى أن شاباً من قرية صغيرة زار القرية المجاورة، فأعجبته ورغب البقاء فيها والتزوج منها. فجلس لأيام بجوار بئر القرية يراقب فتيات الحَيّ يسحبون الماء لاحتياجات بيوتهن، حتى وقع نظره على فتاة جميلة، استفسر عن اسمها ثم طلب من أهله القدوم لخطبتها له.

وصل أهل الشاب إلى القرية وزاروا والد الفتاة وطلبوها رسمياً. ورحب والد الفتاة بضيوفه ووعدهم خيراً، ولكن طلب مهلة شهر للرد حتى يتمكن من سؤال الفتاة رأيها، والاستفسار عن الشاب، وكذلك ليمنح أهل الشاب فرصة للاستفسار عن أهل الفتاة فيعرفوا قدر من سيناسبون.

وكعادة القرى، تنتشر الأخبار والاشاعات بسرعة البرق. فقد تم رصد الغرباء (أهل الشاب) لحظة وصولهم، وتم تتبعهم إلى بيت الفتاة بتعجب فضولي سرعان ما أطلق أول إشاعة بأن والد الفتاة يستقبل غرباء، وربما ينوي عقد صفقة تجارية لا يريد إشراك أهل القرية فيها. ولما أخبر والد الفتاة جلسائه مساءً بعرض الزواج الذي استلمه، لم تشرق الشمس إلا والقرية برمتها تتناقل وتَعْلِكُ الخبر وتأول فيه وتفسره من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

فانقسم أهل القرية إلى قسمين، قسم مؤيد للزواج وقسم معارض. وضم قسم المؤيدين مجموعة رأت أن الزواج “قسمة ونصيب” وطالما أن الطرفان واعيان ورضيان، فهذا شأنهما ولا يخص الآخرين. ومجموعة باركت الزواج لأنه يقوي العلاقة بين القريتين، ويزيد مبادلاتهما التجارية فيستفيد الجميع. ومجموعة لم تعترض على الزواج ووافقت على مضض لأنها لم تجد سباباً للاعتراض.

أما المعارضون، فتنوعت أسباب معارضتهم. فمنهم من كان يريد الفتاة لابنه، ومنهم من كانت له حصة في إرث والد الفتاة من جده وخشي أن يشاركه الغريب فيه. وهنالك من رأى عدم تكافؤ اجتماعي بين قرية الشاب وقريتهم. كما اتهم بعضهم الشاب بالخبث والمكر وأن هدفه الحقيقي هو الاستيلاء على بقرة الفتاة الحلوب. كما سافر نجار القرية، الذي ليست له قرابة أو صلة مباشرة بعائلة الفتاة، إلى المدينة واستحصل على نسخة حكم محكمة يدين الشاب بالامتناع عن سداد دين تاجر علف. أما بقال القرية، فقد استجوب سائق شاحنة توزيع المعلبات، التي تزور قرى المنطقة أسبوعيا، محاولاً معرفة سمعة أهل الشاب وإن كانوا يسددون حسابهم بانتظام مع بقال قريتهم.

ومن الجانب الآخر، لما عاد أهل الشاب إلى قريتهم وأخبروا أهلها بنية زواج ابنهم من فتاة القرية المجاورة، جوبهوا برأيين، أحدهما مؤيد ومبارك والآخر معارض مُنَدد. أما المعارضون، فمنهم من كان يخطط لزواج الشاب من ابنته فشكك بجمال وصحة فتاة القرية، ومنهم من كان بينه وبين بعض أفراد القرية الأخرى نزاعات وخلافات قديمة حول صفقات دجاج وبيض. ومنهم من اعتبر القرية الأخرى فقيرة وبائسة وأن هذا الزواج سيفتح الباب لنزوحهم والتطفل على قريتهم.

وبحكم وسائل التواصل الاجتماعي الريفية النشطة، سرعان ما وصلت الآراء المعارضة في كل قرية إلى القرية الأخرى، فامتعض أهل الشاب وكذلك أهل الفتاة وكاد مشروع الزواج أن يفشل لولا تدخل العقلاء من الطرفين وعقدهم اجتماع عام موسع يضم أهالي القريتين برئاسة مختاري القريتين.

واتفق المختاران على خطة من جزئين، الأول تفنيد الاشاعات والثاني وضع شروط لإتمام عملية الزواج. فبدأوا باستجواب الشاب عن حكم المحكمة الذي أدانه لعدم سداد دين تاجر العلف. فأبرز الشاب نسخة أصلية من حكم استئناف يثبت أن تاجر العلف نصاب باعه علف مغشوش، وأن محكمة الاستئناف برأته وأدانت التاجر وغَرّمَته. كما فند تهمة نية الاستيلاء على بقرة الفتاة، مدعياً بأنه مقتدر ويملك قطيعاً من الغنم بالإضافة لثلاثة أبقار وسوف ينقلها جميعاً إلى قرية عروسه، وتعهد بتقديم شهود على ملكياته. ثم التفت المختاران إلى موضوع التكافؤ الطبقي والاجتماعي الذي شكك فيه البعض، ونَهَرا الحضور وذَكَّروهم بأن أهل القريتين يشتركون في الجد الرابع، وبالتالي من السخف أن يتعالى فريق على الآخر بأصله وفصله.

وأخيراً، سن المختاران شروط إتمام الزواج، واتفقا على أن يخضع الشاب والفتاة لفحص طبي شامل في مستشفى المدينة للتأكد من خلوهما من الأمراض أو العيوب الجسدية، ومن ثم يجلس أهل الشاب والفتاة بحضور ثلاثة حكماء من كل قرية للاتفاق على المهر وتفاصيل عقد الزواج. فإذا تم كل ذلك بنجاح، فعلى الجميع عندئذٍ مباركة الزواج والكف عن النميمة التي كادت أن تثير النعرات وتُنْشِبُ حرباً بين القريتين.

وهكذا انفض الاجتماع وأنصرف الحضور مقتنعين بالحل الحكيم، وجلس المختاران يرتشفان القهوة معتدين بأنفسهم وبقدرتهم على نزع فتيل الشر. وإذ يلتفت مختار قرية الفتاة إلى زميله ويقول: “ولكن يا أخي، ماذا لو كان الولد فعلاً ينوي النصب على بنتنا؟” فرد عليه الآخر: “صحيح، وماذا لو كانت الفتاة وأهلها يضمرون التسلق على ظهر ولدنا؟”… ثم تداركا وتذكرا بأنهما قد وضعا خارطة طريق سليمة، وعليهم انتظار نتائجها. فتأفف مختار قرية الشاب وقال: ” بَسّْ كفانا… فلننتظر نتائج الفحص والمفاوضات… فالمكابرة بمن نحن ومن أنتم… وعن نويانا ونوياكم… ستوقعنا بين حانا ومانا فتضيع لحانا”.

Share

3 آراء على “دمج البنوك… بين حآنا ومآنا”

  1. استاذنا الكريم/ مروان المحترم
    واضح من هذه القصه المشوقه والسرد المتناغم لها ، ان الفتاة تتمتع “برصيد” مغري من الجمال ، اذا كانت لم تضع الكثير من المكياج قبل ان تأتي الي بئر الماء ، و “بإصول ” طيبه لعائلتها ، في حال التأكد من صحة نسبها وتسلسلها العائلي.
    وربما يتوقع أهل القريتين بأنها ستكون ذات نصيب وافر من البنين والبنات، وهذا ما سيكشفه الواقع بعد الزواج ، وهي ميزه يعشقها العرب و “المسلمين” .
    لذلك كثرت عنها الاقوال والاقاويل ، و الكل يحاول ان يُقرب النار من قرصه (رغيفه) .
    وكما يقال في عالم كرة القدم: اللي تغلب بُه إلعب بُه.
    وإضيف لهذه المقوله: ولكن في حدود المهنيه والاخلاق.

    وشكراً.

  2. اخي مروان
    اسعد الله صباحك
    حكايه جميله ومسليه تدفعك للاسترسال في قراءتها حتى النهايه وهي معبره الى حد كبير لحاله دمج بينك و والاهلي المتحد وان كنت اري ان الشاب مريض مرض عضال وقادر ان يزور شهادته الصحيه ليبدو في كامل لياقته الصحيه.
    كنت اتمنى ان تفرغ شئ من وقتك للاعمال الادبيه .
    تحياتي

    1. أخي محمد…
      شكراً على تعليقك.
      غرقت الساحة بالآراء، مع وضد عملية الدمج، واختلطت الحقائق بالتخمينات، واحتدت المواقف، فتاه الإنسان العادي. فرأيت أن أسلوب القصة الخفيفة ربما يجلب البسمة للقارئ، ويوضح له بأن جميع الاحتمالات واردة ولكن تحتاج دراسة مهنية للأرقام ولجدوى الدمج يمكن بعدها بدء الحوار الحقيقي حول صواب الدمج أو غير ذلك. فلا أظن أن الدمج سيتم “كَرْفَتَة” ، وإنما لا بد أن يطرح على المساهمين وللعامة لمناقشته.
      أما بالنسبة لاقتراحك أن أتحول جزئياً إلى الكتابة الأدبية، فأبشرك بأني فعلاً أفكر بذلك، ولكن لما أكبر. فنحن الاثنين (أنا وأنت) ما زلنا شباباً صغار…
      مع تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.