قصة الثعلب المكار

حكايات من الغابة

قصة الثعلب المكار

أجدبت المراعي في الغابة فقل الكلأ، فتقلص عدد الدواب، فجاعت الحيوانات المفترسة. وبعد سلسلة من الاجتماعات الطارئة، قررت الحيوانات المفترسة بأن الحل على المدى القصير هو غزو غابة صغيرة مجاورة وسبي دوابها السمينة الملظلظة.

وخرج في اليوم التالي جيش الحيوانات بقيادة الأسد ومكون من كتائب النمور، والفهود، الضباع، والذئاب، وكتيبة تضم باقي الحيوانات المفترسة. حاول الثعلب الحصول على شرف تخصيص كتيبة للثعالب إلا أن طلبه استقبل باستهزاء وجاوبه الأسد مزمزماً: “اشكر حظك بأننا نعتبرك مجازاً ضمن الحيوانات المفترسة وإلا لأكلناك مع خروف فطورنا اليوم.”

وعند وصول الجيش إلى مشارف الغابة المجاورة وجد أن الحدود عبارة عن نهر يفصل الغابتين. فتوقف للاستراحة إلا أن ضبعان جائعان لم يتحملا الانتظار فعبرا النهر سباحةً. وصل الضبعان إلى منتصف النهر وإذا باضطراب قوي في الماء وفجأة يختفي الضبعان. نظرت الحيوانات مستغربة إلى أن ظهر ذيلا تمساحين كبيرين فَفُهِمَ ما حدث للضبعين.

فزعت الحيوانات المفترسة وقررت عدم عبور النهر عند هذا المعبر فساروا عدة أميال إلى الشمال وهناك عبر ذئب ليختطف فوراً بفك تمساح أكبر من التمساحين السابقين. فساروا عدة أميال إلى جنوب المعبر الأول ولكن حدث نفس الأمر مع نمر فتي تباهى بشجاعته.

اجتمع الأسد مع امراء الكتائب وقضوا الليل يناقشون المشكلة وكيفية التغلب عليها. ومع بزوغ الفجر أيقنوا بإفلاسهم الفكري وقرروا بعد تردد دعوة الثعلب لتقديم رأيه. فكانوا يعلمون بأنهم كلما طلبوا من الثعلب المساعدة قايضهم وكلفهم كثيراً، ولذلك تحاشوا اشراكه في الاجتماعات إلا عند وصولهم إلى مرحلة اليأس.

وفعلاً فاوضهم الثعلب وانتزع منهم تعهدات بمكافئات ضخمة في حال أنه حل مشكلتهم. ثم توجه إلى النهر ووقف على ضفته وصفّر لكبير التماسيح. التفت التمساح الضخم إلى الثعلب مستغرباً وشاور بيده ما معناه أتقصدني أنا؟ فهز الثعلب رأسه إيجاباً وأومأ بيده لأني يأتي إليه عند ضفة النهر.

سبح التمساح إلى الثعلب غير مصدقاً جسارة هذا الحيوان الصغير. وعند وصوله غلبت عليه الفضولية وبدل أن ينقض على الثعلب ويأكله، سأله ما أهمية موضوعه حتى ينادي تمساح.

ضحك الثعلب ونظر إلى التمساح بنظرة ثاقبة وضبح قائلاً: “إنك لا تخيفني لأننا جميعاً حيوانات وهمنا الوحيد هو الأكل. وأنا لدي اقتراح يطعمك لمدة سنة. ما رأيك؟”

سال لعاب التمساح وقال: “لمدة سنة؟ سنة كاملة؟ هات ما عندك؟”

“نعم لمدة سنة وربما أكثر” قالها الثعلب وقد عرف بأن التمساح أصبح بجيبه، لو كان لديه جيب. “الخطة هي أولاً أن تسمح للجيش الغازي بالعبور لصيد الدواب من الغابة المجاورة على أن يتعهد الجيش بتسليم التماسيح نصف هذه الدواب التي يأسرونها.”

هز التمساح رأسه موافقاً ثم سحب من جيبه آلة حاسبة وكبس عليها، نظر إلى الناتج ثم دار إلى الثعلب مستاءً: “حسب تقديراتي، نصف السبايا تكفي لحوالي نصف سنة! أين طعامنا لبقية السنة؟”

أقترب منه الثعلب وتهامسا ثم تصافحا معلنين اتفاقهما وعاد كل منهم إلى جماعته.

وفعلاً عبر الجيش النهر بسلام وغزا الغابة الآمنة وأكلت الحيوانات حتى شبعت وثم، كعادة الغزوات، تم توزيع الغنائم بين الكتائب والعساكر. وحصلت الثعالب حسب الاتفاق على ضعفي غنائم الآخرين. وبعد استراحة لهضم الشحم واللحم الذي ابتلعوه، سار الجيش عائداً يجر معه أسراه من الدواب. وعند وصولهم إلى النهر، تقدم لثعلب وأمرهم بالتوقف إلى أن يؤمن سلامة عبورهم. ولأن التماسيح تعرفه هو شخصياً فهو مضطر للعبور مع جماعته أولاً ليتأكد ويطمئن بأن التماسيح ملتزمة باتفاقها.

عبرت الثعالب النهر مع غنائمهم ولما وصلوا إلى بر الأمان، دار الثعلب وأشر إلى باقي الجيش بالعبور، وكذلك صفّر لكبير التماسيح منبهاً إياه بأن العبور قد بدأ. وما وصل الجيش والغنائم إلى منتصف النهر حتى انقضت عليهم التماسيح من كل جهة فكان منظراً مرعباً استمر لمدة ساعة ثم حل السكون على نهر مليء بمئات الجثث تطفو على سطحه. فلم ينجو من مجزرة التماسيح ولا أحد من الجيش أو الأسرة.

ابتسم الثعلب وأقترب من ضفة النهر وصفّر لكبير التماسيح الذي سارع إليه يشكره على فكرته العظيمة بأن يسمح للجيش بالعبور وثم ينقض عليهم أثناء عودتهم فتحصل التماسيح على الجيش وما بطنه من أكل وكذلك الدواب الأسرة. أي ثلاثة أضعاف ما كانوا يتوقعونه. فالتفت التمساح إلى الثعلب ابتسم: “إنك فعلاً لعبقري، وأنا جاهز في أي وقت لخطتك الجهنمية.”

وهكذا حقق الثعلب مخزون غذاء يكفي رفاقه لأكثر من ستة أشهر. والأهم من ذلك، فقد تخلص من الحيوانات المفترسة القوية التي تنافس الثعالب في صيد دواب غابتهم، على الأقل إلى تكبر الأشبال اليتامى.

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.