الفِيّلَةَ في تِمْبَكْتو

الفِيّلَةَ في تِمْبَكْتو

herd-of-elephants-1570649_640

بدأت مؤخراً محكمة الجنايات الدولية في لاهاي النظر في قضية قائد من الجماعة الإسلامية المسلحة (انصار الدين) الذين استولوا على تمبكتو في مالي لمدة عشرة اشهر في 2012. فقد فرضوا نظام شديد من الشريعة وكذلك قتلوا بعض السكان ودمروا بعض المباني الاثرية والمخطوطات القديمة.

كانت محاكمة سريعة جداً ؛ فقد قَدّمَ المتهم ، وهو أيضاً عالم إسلامي ، اعترافاً فورياً بجميع جرائمه ، وأعلن أسفه الشديد طالباً من العالم أن يسامحه على ما اقترفته يداه. لا شك أن هذا تصرف كاثوليكي منه (الاعتراف والتوبة) ، كما أنها استراتيجية دفاع جيدة ، خصوصاً عندما تكون جميع الأدلة دامغة و واضحة مسبقاً ضدك.

كانت هذه المحاكمة فريدة من نوعها. فهذه أول مرة في التاريخ يتم فيها مقاضاة جرم “الضرر بالموروث الثقافي والحضاري” ، وقد ينبئ هذا بأمور أخرى مدهشة آتية. فقد تم رفع مستوى هذا الجرم إلى مستوى الجرائم الفظيعة التي تتطلب عقد المحكمة الدولية. كما أنها تعكس الوجه الرحيم والحضاري للقضاة المحترمين والدول التي تقف خلفهم ، في بحثهم الدائم لحفظ الحضارة البشرية ، خصوصاً تلك المتمثلة بأكواخ قديمة ومخطوطات ، وربما يوماً ما ، في حفظ أرواح الأبرياء من البشر. ففي أسوأ الأحوال ، ستحافظ هذه الجهود الصادقة على استمرار رواج تجارة السياحة العالمية التي تعثرت بسبب الأعمال الارهابية.

ولكن الذي كان حقاً مذهلاً ، هو كيف أصيبت بالعمى عيون الجميع ، عيون من هم داخل المحكمة ومن هم خارجها ، فلم يروا قطيع الفيلة الضخم المتواجد داخل قاعة المحكمة! فشلوا كلهم في رؤية الجرائم الفظيعة حقاً التي ارتكبت وترتكب يومياً طوال النصف القرن الماضي. لم تسعفهم عيونهم على مشاهدة دمار مدن كاملة ، أو قتل الملايين من المحاربين والأبرياء المصنفين ” كأضرار جانبية” ، أو الاجرام الذي تسبب في نزوح عشرات الملايين من الناس وتحويلهم إلى لاجئين. لم ترى عيونهم تقسيم وتشريح وفرم دول وتحويلها إلى أشكال وحوش فارنكنشتين مشوهة. تركز نظرهم فقط على تمبكتو!

لا شك أن جنكيز خان يقهقه في قبره ضاحكا على سخافة وضحالة أولوياتنا.

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.