ترامب والعرب

ترامب trump-1350370_640والعرب

ترامب لا يكره المسلمين. وإنما جزء كبير من الشعب الأمريكي يكره المسلمين ، بسبب هلعه من الأعمال الإرهابية المنسوبة لهم والتي هَوَّلَتها الصحافة الغربية. فقد استغل ترامب هذا الكره كإحدى أدواته التسويقية لتقريبه من الناخبين خلال حملته للفوز بكرسي الرئاسة الأمريكية. 

ترامب رجل أعمال ولغته المال والصفقات مع الجميع ، وربما ، حتى مع الشيطان إن دعا الأمر. وبناءً على ذلك ، لا يتصرف من مبدأ الحب أو الكره في تعاملاته وسياساته ، وإنما لما فيه مصلحته – والآن لمصلحة أمريكا. لذلك من المتوقع أن تستقر الأمور بعد انقشاع غبار المعركة الانتخابية ، وتعود علاقات أمريكا مع العالم إلى ما كانت عليه – أو قريبة من ذلك ، فلا شك أن فلسفة ورؤية وتوجهات وأولويات ترامب كرئيس جديد ستنعكس عليها بعض الشيء.

ويتوقع أن يركز ترامب على تنشيط الاقتصاد وتخفيض العجز المالي ، أكثر من على السياسة الصدامية التي اتبعها الرؤساء الذين سبقوه. وهذه مهمة صعبة تتطلب تقليص المصاريف وخصوصاً العسكرية ، مما يعني تحول أمريكا عن تطلعاتها للسيطرة الكلية على العالم وما يتبع ذلك من مغامرات خارجية ، إلى التركيز على المشاكل الداخلية المهملة منذ عقود. كما أنه سيحاول انعاش التصنيع في أمريكا وتخفيض الاستيراد ، ويميل إلى إيقاف الاعتماد على النفط المستورد واستبداله بالنفط من أمريكا الشمالية – مما انعش اسهم شركات النفط الكندية فور اعلان فوزه.

هذا لا يعني ، بأي حال من الأحوال ، أن أمريكا ستتنازل عن مركزها القيادي والسيادي وهيمنتها على العالم ، وإنما ربما تخفف من تصرفاتها العدائية والعسكرية تجاه الدول التي لا تتفق معها. فمن منطلق مفاهيمه البراغماتية ، كرجل أعمال ، يتوقع أن يحاول الاتفاق مع المناوئين لأمريكا وأن يتعايش معهم بدون انتقاص كبير لمصالح الطرفين. ولكن ، رجال الأعمال يفكرون بالربح والخسارة ، أي أبيض وأسود ، بينما السياسيون متعودون على التقلب وقبول المتناقضات ويسمونه “توافق” ويتلونون بجميع ألوان الطيف. لذلك يتوقع أن يكون ترامب متساهلاً مع الغير ، ولكن حازماً تجاه الخطوط الحمر ، التي سيخفض نقطة اختراقها ، ولن يقبل أبسط الاختراقات بعد الاتفاق بشأنها.

أما بشأن الشرق الأوسط ، فقد أعلن أكثر من مرة بأنها منطقة فوضى وتخبط بسبب السياسات الأمريكية الخاطئة. وتشير كل المؤشرات إلى أنه يفضل الابتعاد عن الشرق الأوسط ، أو على الأقل عدم التدخل الحميم بشؤونه. أما بالنسبة للدفاع عنه ، فقد كررها مراراً منذ سنوات ، أن على الدول العربية دفع رسوم باهظة مقابل حمايتها. بل قد صرح يوماً ، بأحقية أمريكا بنصف نفط الكويت مقابل تحريرها من صدام حسين. طبعاً هناك تداعيات سلبية أخرى محتملة تجاه فلسطين وإيران ، والوقت كفيل أن يوضحها.

لا يعني هذا النفور من الشرق الأوسط ، توقف سياسة بيع الأسلحة الأمريكية للشرق الأوسط (ولجميع أنحاء العالم). فهذا بِزْنِسْ وتجارة ومن أولويات سياسته الاقتصادية الجديدة التي تشجع تصدير المنتجات الأمريكية ، وبأعلى الأسعار. ولكن كما أثبت الصفقات السابقة ، تبقى هذه الأسلحة درجة أو درجتين أقل من قوة الأسلحة المزودة لإسرائيل ، ولا تفيد إلا في النزاعات الداخلية أو الإقليمية. أي أن الهدف ، كما ذكر جيمس ووزلي ، الرئيس الأسبق لوكالات الاستخبارات الأمريكية (CIA) ، بأن أسلوب ترويض الدول العربية المشاكسة والمؤيدة للإرهاب ، هو استنزاف أموالها لتصبح فقيرة! وما قانون جاستا الجديد إلا إحدى وسائل شفط هذه الأموال الفائضة.

كما أن مفهوم التجارة الناجحة يرتكز على أن الزبون دائماً على حق وصواب ، ولذلك لا يتوقع المراقبون بأن تتشبث أمريكا بنشر مفاهيمها عن الديمقراطية ، وحقوق الانسان ، والحريات بل ستغض النظر عنها ، ولو جزئياً ، بالنسبة لزبائنها.

لا بد لهكذا تصريحات وتوقعات أن تولد رعباً لدى الحكومات العربية ، لما تنبئ من احتمال نمو فراغ مغري لأطراف كثيرة محلية ودولية. وحيث أن جميع الدول العربية لم تستفيد من النصف قرن الماضي لبناء مجتمعاتها واقتصاداتها ، فما زالت في وضع ضعيف وغير مستقر. لا تستطيع الدفاع عن نفسها ، ولا تمتلك اقتصادات منتجة تستوعب الأجيال الشابة التي تشكل أغلبية سكانها ، كما لم تتعلم معنى كلمة الاستدامة.

الاستنتاج:

فوز ترامب كرئيس للولايات المتحدة :

• ربما يخفف من احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة مع روسيا والصين.

• ربما ينهي مشكلة أوكرانيا وشبه جزيرة القرم ، المصطنعة أصلاً من صقور الحكومة الأمريكية.

• ربما يخفف من المواجهة العسكرية مع الصين في بحر الصين الجنوبي ، لفشل سياسة أوباما “للقفز إلى آسيا” وارتفاع كلفتها.

• ربما يلغي أو يقلص حلف الناتو ، ويخفف من طيش الحلفاء الصغار.

• ربما يبدأ بالتعاون مع روسيا لمحاربة الإرهاب في سوريا والعراق وليبيا ، أو ربما يوكل هذه المهمة لروسيا.

• ربما ينشط الاقتصاد الأمريكي ، بالرغم من وضعه المتردي والسيء.

• ربما أمور كثيرة أخرى.

ولكن قد لا يستمر احتضان ودعم أمريكا لدول الخليج بنفس الشدة التي تعودت عليها ، كما قد تزداد وسائل استنزاف أموالها الفائضة. لذلك ، على الدول العربية ، وبالأخص الخليجية ، إعادة حساباتها بسرعة حتى تستوعب الوضع الجديد ، الذي لا يبدو في صالحها بتاتاً.

ما العمل؟

على الدول العربية الإسراع في الإصلاحات الاقتصادية ، وبالتبعية الإصلاحات السياسية والاجتماعية. وهذه خطوات وأعمال كبيرة ومعقدة وتفاصيلها تعبئ كتب كاملة ، ولكن نجاحها يعتمد على مفهوم جديد اسمه “الشفافية”. فزيادة الشفافية ضروري جداً لاطلاع الشعوب على حقيقة أوضاعها ، فعندئذٍ فقط يمكن اقناعها بقبول الإصلاحات التي ستضر بمستوى معيشتها لسنوات ، قبل أن تظهر النتائج الإيجابية.

كما أن الشفافية تتطلب كشف جميع الأوراق المتعلقة بالسياسات المتبعة ، وكذلك بالمصاريف والايرادات مع تبرير كل واحدة منها. فعدم فعل ذلك ، سيعني بقاء الشك والتذمر ، مما سيعطل الإصلاح الحقيقي ويؤكد رؤية ترامب بأنها منطقة فوضى وتخبط.

Share

3 آراء على “ترامب والعرب”

  1. قبل أيام معدودات استعر قتال بالدبابات وغيرها من الأسلحة الثقيلة والخفيفة بين قبيلتين ليبيتين بسبب قرد وحتى اليوم لم يتبين إن كان القرد عميل إمبريالي أم صهيوني أم طائفي، والحمد لله توصل الطرفان إلى هدنة، وقبل أشهر تقاتلت قبيلتان عراقيتان في محافظة البصرة بسبب تافه أيضاً وسقط منهما عشرات القتلى والجرحى، واليوم نشب عراك قبلي مسلح في جامعة أردنية، والصراعات العشائرية في الأردن أمر معتاد، وفي العراق وبعد قرن من تأسيس الدولة الوطنية يلجأ العراقيون اليوم في حل خلافاتهم إلى القضاء العشائري، ولا نستغرب نشأة الإرهاب في منطقة سيناء المصرية العشائرية، وللقبائلية مظاهر بارزة وأخرى مستترة، والأخيرة لا تقل سوءاً عن الأولى، فقد استقرت إفرازات القبائلية السامة في نفوس وعقول الكثيرين وباتت عاملاً مؤثراً رئيسياً على الفكر والسلوك، فالطوائف قبائلية وكذلك الأحزاب وحتى الدول أحياناً، وإلا فهل يعقل أن تتصدع العلاقات بين الشقيقتين مصر والجزائر بسبب مباراة كرة قدم في 1989م؟ وبقدر ما تهيمن القبائلية المنظورة والمستترة على العقول تنحسر المواطنة وتتحول الدولة إلى جزر من قبائل، لذلك نجد مئات المواقع الإلكترونية المخصصة للتفاخر بالقبائل والأنساب والأجداد وغزواتها وانتصاراتها، ولا بد من تذكير المتفاخرين بالقبائلية بأنها تعود في التاريخ إلى ما قبل عصر الزراعة ونشوء المدن والحضارات.
    أخي العزيز مروان أتفق معك تماماً على أهمية وضرورة تطبيق الشفافية وما يترتب عليها من تحمل للمسؤولية والمسائلة، ولكنها مثل كل مقومات الدولة الحديثة والتطور سترتطم بجدار القبائلية وقيمها المتخلفة، فكيف التغلب على مبدأ أنا وأخي على ابن عمي؟ وكنت ثالث ثلاثة إذ يذكر أحدهما الاخر بان فلان المرشح لوظيفية قيادية من نفس قريتيهما لذا ينبغي مساندته، علماً بأن أحدهما يحمل شهادة دكتوراه والثاني وكيل وزارة، وكنت مكلفاً بمهمة استشارية لتطوير إحدى مؤسسات وزارة الوكيل.
    أكره أن أكون مفرطاً في التشاؤم لكن مشكلتنا ليست في قلة الأموال ولا المهارات بل في نمط تفكيرنا وتعاملنا مع بعضنا البعض، ولو تخلصنا من هذه السلبيات فستتولد لدينا مناعة قوية ضد كل التحديات الفعلية والمرتقبة مثل الرئيس الأمريكي المنتخب ترامب وغيره.

    1. نمط التفكير مرتبط بثقافة المجتمع السائدة، ومن مكونات هذه الثقافة نظرتها لأهمية العلم والتعليم… فإن كانت المجتمعات تميل إلى ترجيح أهمية التاريخ والتقاليد على التطور والتحديث، فلن ترحب بتغيير نمط الفكر، وبالتالي ينحصر التعليم والتطور الفكري في دائرة محدودة صغيرة وجامدة.

      يفرز التغيير وضعاً إما افضل من السابق أو أسوأ منه (وقد يعطي نتيجة مختلطة). فإن كان المجتمع متفائلاً وحكيماً وواعياً وواثقاً من نفسه، قد يشجع التغيير على أنه يؤدي إلى الأفضل. أما إن كان متشائماً ومشككاً بقدرات أفراده، فسيفضل الاحتفاظ بما لديه والبقاء على ما هو عليه. فالتغيير يعني تغيير المفاهيم مما قد يؤدي إلى تغيير مراكز القوة والمنافع المكتسبة وطريقة توزيعها، مما قد يضر المستفيدين من الوضع القائم.

      أما بالنسبة للقبائل، فهذا نظام عالمي قديم يعود لألاف السنين. القبائل هي الأساس وانتشرت في جميع انحاء العالم، وكانت النواة التي تكونت منها كثير من المجتمعات والدول. ولكنها اندمجت مع وذابت في معظم المجتمعات وخصوصاً في الدول الصناعية الحديثة. وما زالت موجودة بدرجات متفاوتة في مجتمعات أقل تقدماً.
      والقبيلة نظام اجتماعي جيد وناجح في تحقيق الأساسيات مثل حماية أفرادها من الأعداء، توفير شبك الضمان الاجتماعي لمن يتعسر أو يسقط في مصيبة، وتوفير الدعم (ربما غير المشروط) بين أفراد القبيلة. فطالما أن القبيلة تقدم هذه الأساسيات بشكل أفضل من الذي تقدمه الدولة، فمن الطبيعي أن يكون الميل أقوى للقبيلة، وبالتالي لا يمكن توقع أن تذوب القبائل في مجتمعاتها.

      تغيير نمط التفكير لا يُفْرَض بالقرار أو بالقانون أو حتى بالسيف، كما لا يأتي بالتمني، وإنما من خلال تقديم بدائل أفضل بكثير وكثير وكثير، حتى يقتنع جميع أفراد المجتمع بأن مصلحتهم في الوطن ككل وليست في جزء منه، وأن التغيير يجلب الأحسن للجميع، فتطمئن قلوبهم إلى أن غداً سيكون أفضل من أمس… وهنا يأتي دور الدولة الحكيمة الواعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.