انهيار فنزويلا؟ امنيات أم حقيقة؟

طفحت وسائل الاعلام المالية والنفطية وهي تتوقع انهيار مالي وشيك لفنزويلا، كمقدمة لانهيارها السياسي الداخلي، ومن ثم إزاحة الرئيس مادورو، ومحي تجربة هيوجو شافيز الطموحة.

فالبلد تنزف مالياً لدرجة أن الكثيرين يتوقعون أن تفشل في أكتوبر/ نوفمبر 2017 في سداد حوالي 3.5 بليون دولار ديون دولية مستحقة الدفع. وفي حال حدوث هكذا تعثر، يتوقع أن ينطلق الدائنون للحجز على أصول الدولة، وشركة النفط الفنزويلية، وشحنات النفط المصدرة، مما سيعثر انتاجها النفطي الذي يعتبر آخر وسيلة لخلاصها من مصيبتها.

لا شك أن هذا توقع وتنبؤ قاتم، يزعزع نفسية الشعب والحكومة الفنزويلية، ويدخل في قلوبهم الشك مدمراً ثقتهم بأنفسهم وبالمستقبل، ويحثهم على الاستسلام لقوى المعارضة المدعومة من الغرب. والأقسى من ذلك، هو أن هذه التوقعات المتشائمة تفزع البنوك والمؤسسات المالية الأجنبية من التعامل مع دولة على فراش الموت المالي. فقد بدأت البنوك ترفض فتح الاعتمادات المصرفية لشحنات النفط الفنزويلي، ناهيكم عن استعادها لمدها بقروض جديدة، أو تأجيل سداد أي مستحقات.

يبدو أنه قد تقرر اسقاط النظام الفنزويلي وتحويل البلد إلى دولة فاشلة. وعندئذٍ فقط، يتم انقاذها من قبل المعارضة المدعومة بخطوط تمويل غربية، فتعود إلى مكانها الأساسي الوديع في البستان الخلفي لبيت الولايات المتحدة، كما توصف قارة أمريكا الجنوبية.

أما بالنسبة لشركاء فنزويلا في منظمة أوبك، فإنهم جالسون على السور كمتفرجين ولعابهم يسيل على احتمال خروج النفط الفنزويلي من السوق، وتتحقق أعظم أمنياتهم، وهي انطلاق أسعار النفط بحدة لأعلى.

تفترض التوقعات السابقة أن الشعب والحكومة الفنزويلية في منتهى السذج والوداعة. وانهم لا يمتلكون القدرة على الصمود والبقاء والمقاومة. بل لا يمتلكون الذكاء للتفكير بحلول مختلفة جذرياً، خصوصاً وأنهم محاصرين وجميع الأوراق قد رتبت مسبقاً ضدهم.

ولكن الأمور تبدو غير ذلك، فقد تفاعلت فنزويلا مع الخطر المحدق بها، وبدأت بالاقتراض من الصين وروسيا على أن تسددها بشحنات نفطها. ثم اتخذا مؤخراً خطوات أكثر جرأة وذكاءً، وعهدت بتسويق إنتاجها لشركة روزنفت الروسية العملاقة في مجال النفط والغاز، والتي بالفعل سوقت ليس فقط ما انتجته فنزويلاً في الأشهر الماضية، وإنما كذلك كل انتاجها لغاية ديسمبر 2017! ومن بين الذين باعت لهم هذا النفط كانت شركات نفطية ومصافي أمريكية. لا شك أن هذه خطوة ذكية تضمن لفنزويلا عدم إخضاع نفطها للمقاطعة الأمريكية، أو حجزه، أو حجز قيمة بيعه.

واضافةً على ذلك، فقد بدأت فنزويلا تسرع في عملية بيع بعض أصولها النفطية (الإنتاجية والتكريرية والتسويقية) إلى الصين وروسيا، مما سيضمن لها تمويل منتظم لعملياتها النفطية الأخرى.

فإذا سمح لهذه التطورات أن تستمر، سيقل احتمال تعثر انتاجها (وإنتاج نيجيريا) الذي كان متأملاً أن يرفع أسعار النفط بحدة. بل في أسوأ الأحوال، تستطيع فنزويلا (وكذلك نيجيريا) أن تلقي بنفوطها في الأسوق فتكسر سعر النفط إلى مستوى لم نشاهده منذ عقود بعيدة.

أما من الناحية الجيوسياسية، فإن هذه التطورات تعني تقارب أقوى وأمتن مع الصين وروسيا، مما قد يفتح المجال لفنزويلا، مع بضعة دول لاتينية معارضة للغرب، لإتلاف البستان الخلفي تماماً. فهل سيسمح بذلك أم ستتكرر أزمة كوريا الشمالية، ولكن في أمريكا الجنوبية؟

 

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.