أتريدون التخصيص؟ اذهبوا إلى البرازيل!

لدى الدولة مورد رئيسي واحد: “النفط” ، ولدى الشعب (أفراداً وقطاع خاص) مورد رئيسي واحد: “رواتب ومشاريع من الدولة“. إذن محاولة زيادة وتنويع موارد الدولة من خلال فرض ضرائب وزيادة الرسوم، هي بمثابة الدوران في حلقة مفرغة، وتشبه الضرب بالميت. من الأسهل إدارياً تخفيض الرواتب وتقليص المشاريع والمشتريات، فتوفر الدولة أخطاء وتكاليف، تصميم وتطبيق برامج ضرائب عادلة ورسوم جديدة للخدمات الحكومية. ولكن هذا ربما غير ممكن، سياسياً على الأقل.

يبدو أن هناك سوء فهم لمبدأ زيادة إيرادات الدولة من خلال تحميل الشعب أعباءً إضافية ضمن النظام الاقتصادي الأبوي الحالي. فطالما أن تركيبة الموارد هي كما ذكرنا في أول المقالة، يبقى هذا حلاً غير مجدياً ولن يعطي النتائج المطلوبة. فهو مبني على نظرة محاسبية بحتة تركز فقط على دفاتر وميزانية الدولة، وليست نظرة اقتصادية تبحث عن سبل إيجاد إيرادات جديدة للاقتصاد ككل.

ما هي موارد الدخل الجديدة؟

من أهم الأولويات هي اكتشاف مشاريع وأعمال تنتج سلع وخدامات للتصدير، وكذلك تحل محل بعض ما يستورد. أما طريقة ايجادها فمتروكة للقطاع الخاص وللمبادرين، مع بعض التيسير من الدولة في مجال توفير الأراضي، والتمويل، والمساعدة الإعلامية والدبلوماسية في التسويق الخارجي. أما أن يستسلم القطاع الخاص مسبقاً، ويدعي بعدم وجود جدوى من هكذا مشاريع، وأنه لا يستطيع منافسة ما ينتج في الخارج، فهذا غير مقبول، وعلى من يدعي ذلك التقاعد والخروج من المطبخ. فالرزق لا يأتي بسهولة… اسألوا اليابانيين والألمان الذين دمرت بلديهما مرتين خلال القرن العشرين.

وكما ذكرنا مراراً خلال السنتين الماضيتين، أننا بلد لا يمتلك العمالة الماهرة، أو المواد الخام، أو الأسواق الواسعة، أو القدرة على البحث والابتكار العلمي للصناعة، مما يقلص خياراتنا. ولكن، نمتلك المال الوفير لتأسيس أو تملك المشاريع بشكل مباشر في البلاد التي تتوفر فيها عوامل الإنتاج التي نفتقدها والقوانين التي تحمينا. ففرص الاستثمار المباشر كثيرة في العالم ويمكننا أن نفيد ونستفيد. كما أن التملك المباشر للمشاريع الخارجية يلغي أو يقلص دور الوسطاء ومديري الاستثمار الذين همهم الأوحد هو “من هالك إلى مالك” لكسب العمولات والأتعاب، بدون تحمل أي خسارة.

وقد كنا قد ذكرنا في مارس 2016 : “… إذن المنطق يدعونا لاستخدام أموالنا للاستثمار في تملك كامل المشاريع الصناعية والخدماتية في جميع دول العالم لنولد منها إيرادات مستدامة، وبنفس الوقت نحمي بلدنا من التلوث الصناعي والبيئي، والعمالة الوافدة، والصراعات العمالية، والدعم الضائع، والأحلام التي لا أمل في تحققها. كما يدعونا المنطق إلى توجيه جزء من استثماراتنا إلى الدول التي تتوفر فيها عوامل الإنتاج المطلوبة… كما أن هذه المشاريع ستولد وظائف مستمرة للكويتيين لأن جميعها تتطلب تعيين الكويتيين في المناصب العشرة أو العشرين العليا في كل مشروع يتم تملكه، مما يعني توظيف الاف الشباب الكويتيين المؤهلين والقادرين. مع العلم بأن أسلوب العمل هذا ليس بغريبٍ علينا، إذ عاش البلد لأجيال عديدة قبل النفط، وجزء من كل عائلة إما في رحلات الغوص والتجارة أو نزح ليعمل في مكاتبها التجارية في الهند وباكستان وسنغافورة وعدن والبصرة وزنجبار والبحرين وغيرها.”

خيار التخصيص

كما أن هناك سوء فهم لمبدأ التخصيص، ومدى خطورته واحتمالات فشله في تقديم الحلول المطلوبة، خصوصاً إن تم تطبيقه بشكل سريع غير مدروس بعناية. وبالرغم من ذلك، ما زالت هناك أصواتاً تنادي بالتخصيص الفوري لأعمال الدولة والقطاع العام. قد تكون الحكومة على عجالة للتخلص من المسؤولية الإدارية الصعبة التي تواجهها، وقد يكون القطاع الخاص في سباق لاقتناص فرص مضمونة لتحقيق الأرباح من خلال تملك مؤسسات لديها امتيازات احتكارية ومدعمة بطلب دائم، ولكن التريث والبحث عن البدائل أفضل على المدى الأطول.

أما لمن يصر على هذه الحلول المشكوك في أمرها، فيمكنه الآن تحقيق جميع أمنياته لتنويع وزيادة الإيرادات وكذلك التخصيص، من خلال الاستثمار المباشر الخارجي. فدول كثيرة بصدد تخصيص أجزاء من قطاعاتها العامة، وترحب بالمبادرين والمستثمرين النشطاء لشراء وتملك وإدارة منشآتها الحكومية.

التخصيص في البرازيل

فقد أعلنت البرازيل مؤخرا نيتها لتخصيص خلال سنتي 2017 و 2018 ما قيمته 8.5 مليار دينار كويتي، متمثلة بحوالي 57 شركة ومؤسسة حكومية. ومن بين ما هو معروض للتخصيص: 51% من شركة انتاج الكهرباء البرازيلية (بقيمة تقديرية 1.9 مليار دينار كويتي)، و 11 شبكة خطوط تمديدات كهرباء في الولايات البرازيلية المختلفة، و15 ميناء بحري، وطريقان سريعان عابران للولايات، و 14 مطاراً (أحدهما ثاني أكبر مطار في البرازيل ويخدم 21 مليون راكب في السنة)، ومجموعة من الشركات الحكومية (من بينها مطبعة الحكومة التي تطبع العملة البرازيلية وتأسست سنة 1694)، وامتيازات لاستكشاف المعادن في حوالي 46,000 كيلومتر مربع من الأراضي المعروف باحتوائها المعادن المختلفة، وبالأخص كميات كبيرة من الذهب!

فهذه فرصة العمر للاستثمار المباشر لتنويع موارد الدخل، كما أنها فرصة استثنائية متاحة فقط لأن البرازيل تمر في مصاعب مالية (بعضها ناتج عن تدهور إيراداتها النفطية). فحتى الهند، قد أعلنت نيتها للمشاركة بمليار دولار سنوياً في فرص التخصيص البرازيلية!

أما لمشجعي ومروجي فكرة التخصيص في الكويت، فندعوهم لعرض عضلاتهم في البرازيل… وتفنيد المقولة القائلة بأن: ابي لا يقدر إلا على أمي!

 

Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.